صنعاء نيوز - لم يعد ارتفاع الأسعار في إيران يطال الكماليات أو السلع التي يمكن للأسرة الاستغناء عنها. الضربة الجديدة وصلت إلى الخبز، آخر خط دفاع غذائي

الخميس, 25-يونيو-2026
صنعاء نيوز -


لم يعد ارتفاع الأسعار في إيران يطال الكماليات أو السلع التي يمكن للأسرة الاستغناء عنها. الضربة الجديدة وصلت إلى الخبز، آخر خط دفاع غذائي لملايين الإيرانيين، بعدما أخرج التضخم اللحوم والألبان والفواكه من موائد الفقراء والطبقة العاملة. ففي خطوة هادئة من حيث الشكل، ومدمرة من حيث الأثر الاجتماعي، ارتفعت أسعار الخبز المدعوم في طهران والمناطق المحيطة بها بصورة حادة، بعدما دُفعت الأسعار الجديدة ليلاً إلى أجهزة البطاقات الذكية في المخابز، رغم شهور من نفي المسؤولين أي مساس بدعم الخبز.

الخبز في إيران ليس مجرد سلعة غذائية. إنه مؤشر سياسي واجتماعي شديد الحساسية، لأنه يمسّ الفئات الأكثر هشاشة مباشرة. وحين يتحول رغيف الخبز، الذي كان يشكل الحد الأدنى من البقاء، إلى عبء مضاعف على ميزانية الأسر، فهذا يعني أن الأزمة الاقتصادية دخلت مرحلة أكثر خطورة. فالمواطن الذي كان قد تنازل عن اللحم والحليب والفاكهة، يجد نفسه اليوم مهدداً حتى في أبسط وجبة يومية.

وفقاً لمسؤولين في غرفة أصناف إيران، ارتفع سعر خبز «لافاش» التقليدي في طهران بنسبة 100 في المئة تقريباً، من 1400 إلى 2700 تومان. وقفز سعر خبز «بربري» بنحو 90 في المئة ليصل إلى 10 آلاف تومان، فيما ارتفع سعر خبز «سنكك» التقليدي إلى 15500 تومان. وفي ورامين المجاورة، أكدت نقابات المخابز المحلية زيادة شاملة بنسبة 100 في المئة على مختلف أنواع العجين.

هذه الزيادات لم تأتِ دفعة واحدة في كل البلاد. فخلال الأسابيع الماضية، بدأ النظام برفع الأسعار في محافظات مختارة. في مازندران تضاعفت أسعار الخبز عملياً، وفي خراسان رضوي ارتفعت بنحو 49 في المئة، وفي همدان وُزعت لائحة أسعار جديدة ومرتفعة على المخابز من دون إنذار عام. وفي المقابل، جرى استثناء بعض المحافظات الكبرى مؤقتاً، في مشهد يبدو غير منتظم ظاهرياً، لكنه يعكس، في نظر مراقبين، حساباً أمنياً دقيقاً.

فالسلطة تدرك جيداً أن الخبز يمكن أن يشعل الشارع. لذلك لا تريد صدمة موحدة في كل البلاد، كما حدث مع احتجاجات البنزين عام 2019. ومن خلال تحميل المحافظات مسؤولية الزيادة تحت عنوان «تكاليف الإنتاج المحلية»، يحاول النظام تفتيت الغضب جغرافياً. فإذا انفجرت الاحتجاجات في طهران أو مشهد بسبب الخبز، فإن سكان شيراز أو أصفهان، ممن لم يتلقوا الصدمة نفسها في التوقيت ذاته، قد لا ينخرطون فوراً في موجة تضامن وطنية. هذه، على ما يبدو، هي حسابات السلطة: تقسيم الألم، وتقطيع الغضب، ومنع المطالب المحلية من الاندماج في انتفاضة عامة.

سياسة تفتيت الجوع

لكن هذه المناورة تكشف الخوف أكثر مما تكشف القوة. فالنظام لا يعالج الأزمة، بل يدير توقيت انفجارها. إنه لا يملك حلاً لتدهور القدرة الشرائية ولا لعجز الموازنة ولا لتآكل الدعم، لذلك يلجأ إلى هندسة الصدمة اجتماعياً وأمنياً. فبدلاً من الاعتراف بأن الفقر أصبح واسعاً وأن الخبز بات مهدداً، يحاول نقل الكلفة تدريجياً إلى المواطنين، مع إبقاء الأجهزة الأمنية على أهبة الاستعداد.

وتأتي هذه الخطوة في ظل عجز مالي خانق. فقد أشار غلام رضا نوري قزلجه، وزير الجهاد الزراعي، إلى أن الموازنة تخصص نحو 500 ألف مليار تومان لدعم الخبز، في وقت تراجع الحكومة خططاً لتحويل الدعم من المطاحن والمخابز إلى الأسر عبر قسائم غذائية إلكترونية. غير أن منتقدين يرون في هذا التحول محاولة أخرى لنقل أزمة الدولة المالية إلى موائد الفقراء، وتحويل الدعم من حق اجتماعي مستقر إلى أداة تحكم بيروقراطي قابلة للتقليص والتلاعب.

وقد أثارت هذه الزيادات انتقادات حادة من مجموعات عمالية مستقلة ومن أوساط المعارضة الإيرانية. وفي هذا السياق، ربطت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بين حرمان الإيرانيين من أبسط احتياجاتهم وبين توجيه ثروات البلاد نحو أجهزة القمع الداخلي والحروب بالوكالة، معتبرة أن أزمة الخبز تكشف جوهر أولويات الحكم الديني في إيران.

إن خطورة هذه الأزمة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في معناها السياسي. فحين يصبح الخبز، أبسط احتياجات البقاء، سلعة مكلفة على ملايين المواطنين، تتراكم أسباب الغضب بصورة لا تستطيع السلطة ضبطها إلى الأبد. وقد أظهرت انتفاضة يناير 2026 أن الحسابات الأمنية ليست قادرة دائماً على منع الانفجار. فهذه الانتفاضة اندلعت بعد قفزة كارثية في سعر الدولار، رغم أشهر من إدارة الأزمات، ونشر الحواجز الأمنية، وتنظيم مناورات شبه عسكرية لقوات الباسيج في المدن لترهيب المجتمع.

اليوم، يحاول النظام تكرار أسلوبه: رفع الأسعار تدريجياً، تقسيم الصدمة، وتطويق الغضب قبل أن يتحول إلى موجة وطنية. لكن الخبز ليس ملفاً اقتصادياً عادياً. إنه يمس كرامة الناس وبقاءهم اليومي. وكلما ضاقت موائد الفقراء، اتسعت الفجوة بين المجتمع والسلطة.

قد ينجح النظام مؤقتاً في تأجيل الانفجار أو نقله من محافظة إلى أخرى، لكنه لا يستطيع إلغاء أسبابه. فبلد غني بالموارد، يعجز ملايين أبنائه عن شراء الخبز، لا يواجه أزمة دعم فقط، بل أزمة حكم وأولويات. وفي النهاية، قد تتحول سياسة «الرفع المجزأ» التي صُممت لمنع الانفجار الاجتماعي إلى دليل جديد على أن إيران تقف أمام غضب اجتماعي متراكم، يصعب احتواؤه كلما مسّت الأزمة أبسط شروط الحياة
تمت طباعة الخبر في: الخميس, 25-يونيو-2026 الساعة: 11:27 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-108844.htm