صنعاء نيوز/ د. صلاح الصافي -
الفساد كمصطلح مجموعة واسعة من الممارسات السياسية والاقتصادية والإدارية والمالية المشبوهة والمشكوك فيها، فالفساد قد يكون مالياً أو إدارياً، لكن كلاهما متشابكان، ولا فرق بينهما، وكلاهما فساد، فالخلل الإداري يؤدي إلى الخلل المالي، والخطأ المالي ينتج عنه خطأ إداري، وهي ظاهرة معقدة أسبابها معقدة، وآثارها متنوعة، وتشمل أشكالاً وأنماطاً مختلفة لتعزيز ونشر قيم ومبادئ النزاهة وتعزيز الولاء والانتماء بين الشخص والدولة.
لم يغب شعار مكافحة الفساد عن أي حكومة عراقية منذ 2005، لكن النتائج بقيت موضع جدل واسع، إذ شكل نوري المالكي مجلساً لمكافحة الفساد، ثم جاء حيدر العبادي بمجلس أعلى، وأعاد عادل عبد المهدي إحياءه، فيما أسس مصطفى الكاظمي لجنة عرفت بـ (أبو رغيف)، قبل أن يُطلق محمد شياع السوداني هيئات ولجاناً جديدة تحت العنوان ذاته، واليوم يدخل رئيس الوزراء علي الزيدي على الخط بإعلانه تشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام، في محاولة جديدة لفتح واحد من أكثر الملفات تعقيداً في العراق.
وبرغم من أن العراق دخل إليه منذ عام 2003 أكثر من تريليون دولار من الإيرادات النفطية وفق تقديرات رسمية وسياسية متعددة، إلا أن البلاد ما تزال تعاني أزمات مزمنة في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والبنى التحتية، وهو ما جعل ملف الفساد يتحول إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الشارع العراقي.
من أبرز ما ركزت عليه حكومة الزيدي هو مكافحة الفساد، إذ اعتبرت أن الفساد الإداري والمالي يمثل العائق الأكبر أمام أي إصلاح اقتصادي حقيقي، لذلك تعهدت بحماية المال العام وتفعيل الرقابة على المؤسسات الحكومية، حيث تمثل حملات الاعتقال التي تنفذها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة الزيدي خطوة مهمة في مسار مكافحة الفساد، ورسالة بأن الدولة تتجه نحو تعزيز سيادة القانون ومحاسبة من يثبت تورطهم في هدر المال العام، إلا أن هذه الإجراءات ينبغي أن تكون بداية لمسار إصلاحي طويل يعالج الأسباب العميقة للفساد، ولا يقتصر على ملاحقة الأفراد فقط.
ويبرز الإصلاح المالي باعتباره أحد أهم أدوات التغيير، فالانتقال إلى نظام مالي أكثر شفافية، يعتمد على التحويلات الرقمية والرقابة الحديثة، يسهم في توثيق حركة الأموال، والحد من غسل الأموال، وتقليل فرص الرشوة والتهرب المالي، وفي الاقتصاد الحديث، أصبحت كفاءة النظام المالي أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها المستثمرون عند اتخاذ قراراتهم.
تميزت الحملة الحالية بتأكيده على أن القانون يجب أن يطبق على الجميع دون استثناء، وأن المسؤولية لا ترتبط بالموقع الوظيفي أو الانتماء السياسي، وإنما بحجم المخالفة وثبوتها أمام الجهات القضائية المختصة.
إن هذا المبدأ يمثل حجر الأساس في بناء دولة المؤسسات، لأن العدالة لا تكتمل إلا عندما يشعر المواطن بأن الجميع يخضعون للقانون بالمعايير نفسها، وأن النفوذ أو العلاقات الشخصية لا توفر الحماية لأي مخالف.
مثل حملة الحكومة الجديدة لمكافحة الفساد فرصة مهمة قد تؤسس لمرحلة مختلفة في تاريخ العراق الحديث، إلا أن نجاحها الحقيقي لن يُقاس بعدد المعتقلين، بل بقدرة الدولة على تحويل هذه الخطوات إلى مشروع إصلاح مؤسسي ومالي شامل يعزز الشفافية، ويكرس سيادة القانون، ويقوي مؤسسات الدولة.
وإذا نجحت الحكومة في الجمع بين مكافحة الفساد والإصلاح الاقتصادي والإداري، فقد يشكل ذلك بداية مرحلة جديدة تفتح آفاقاً أوسع للنمو والاستقرار، وتعيد للعراق مكانته الاقتصادية، وتمنح المواطنين أملاً بمستقبل أكثر ازدهاراً.
إذاً أن مرحلة الفساد التي ازدهرت وباستهتار في العراق ما بعد عام 2003 ستكون من الماضي أو مرحلة انطوت وأن مرحلة بناء الدولة بدأ وبدعم أمريكا بشكل مباشر وهذا ما يجعل عدم تصادم سلاح الأحزاب مع مشروع مكافحة الفساد.
. |