صنعاء نيوز. كتب : أحمد سلطان السامعي -
عند تقييم نتائج الحروب لا ينظر فقط الى حجم الخسائر العسكرية او الاقتصادية بل الى مدى تحقيق الاهداف الاستراتيجية وقدرة الدول على الصمود والحفاظ على تماسكها الداخلي. فالتاريخ يثبت ان كثرة الخسائر لا تعني بالضرورة الهزيمة، كما ان محدودية الخسائر لا تعني حتمية الانتصار. ولو عدنا الى الحرب العالمية الثانية لوجدنا ان دول الحلفاء تكبدت خسائر بشرية ومادية واقتصادية هائلة، لكنها خرجت منتصرة بعد تحقيق اهدافها الاستراتيجية وهزيمة دول المحور.
ينطبق هذا الطرح على ايران، رغم ما تعرضت له من ضربات، وخسارتها عدداً مت أبرز قياداتها الثورية والعسكرية والامنية لاضرار جسيمة، إلا أن الهدف الذي كان يراهن عليه خصومها والمتمثل في إسقاط النظام لم يتحقق، حيث حافظت الدولة على تماسك مؤسساتها وقدرتها على ادارة الازمة والاستمرار في الصمود والمواجهة، وحققت جملة من المكاسب السياسية والاستراتيجية التي قد يكون تأثيرها لسنوات طويلة، وهي كالتالي:
أولاً: كشف الإختراقات وتعزيز الجبهة الداخلية
من أبرز النتائج التي حققتها إيران كشف مكامن الضعف والاختراق داخل مؤسساتها الامنية والعسكرية، فقد اتاحت الحرب فرصة لمراجعة شاملة للمنظومة الامنية، أسفرت عن ملاحقة شبكات التجسس واعتقال متورطين في عمليات إختراق إلى جانب التعرف على اساليب التجنيد وآليات العمل التي استخدمها الاعداء. فهذه التجربة اسهمت في تعزيز البنية الامنية والمخابرات الايرانية ورفع مستوى الحصانة الداخلية للدولة
ثانياً: التماسك الداخلي الإيراني
عززت الحرب من مشاعر التماسك الوطني للشعب الإيراني، حيث أصطف المجتمع خلف الدولة في مواجهة التهديد الخارجي، بما في ذلك اطراف كانت تختلف مع بعض السياسات الحكومية في الظروف العادية. وينظر الى هذا الالتفاف بوصفه أحد العوامل التى ساهمت في إفشال الرهانات على حدوث اضطرابات داخلية او إنهيار سياسي
ثالثاً: كسر معادلة الردع واختبار القدرات العسكرية
أظهرت إيران قدرتها على تنفيذ رد مباشر واسع النطاق ضد امريكا من خلال استهداف قواعدها في المنطقة، وضد اسرائيل باستخدام الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، ونقل المعركة الى العمق الاسرائيلي بل وأسقطت عمليا فكرة ان إسرائيل لا تضرب، وأدخلت المنطقة في معادلة ردع جديدة تقوم على إمكانية تعرض جميع الأطراف في المنطقة للاستهداف المباشر
كما تحولت الحرب الى فرصة عملية الإختبار المنظومات الصاروخية الإيرانية في ظروف قتالية حقيقية، وهو ما وفر خبرات قتالية ميدانية يصعب الحصول عليها عبر التدريبات العسكرية الروتينية وساعد على تقييم فعالية هذه المنظومات امام أنظمة الدفاعات الجوية المتطورة
رابعاً: التأثير الاقتصادي العالمي وموقع تفاوضي أقوى
التوتر في الخليج ومضيق هرمز ادى الى إضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار، وهي تداعيات لم تقتصر على المنطقة بل توسعت الى العالم بشكل عام والدول الغربية بشكل خاص من خلال زيادة تكاليف الطاقة والنقل والسلع الأساسية.
خسائر الاسواق المالية والشركات الكبرى،بالاضافة الى الأعباء الاقتصادية الأخرى التي لحقت بأمريكا وإسرائيل والدول الغربية والمنطقة، اظهرت التأثير المباشر للحرب في توسيع دائرة الخسائر لتتجاوز ساحات المواجهة العسكرية وتمتد الى الإقتصاد والتجارة والطاقة والاستقرار المالي العالم
كما تمثلت أهم التحولات الإستراتيجية في انتقال الاهتمام العالمي من الملف النووي الايراني إلى أمن الملاحة والطاقة، حيث برز مضيق هرمز كمحور رئيسي للأزمة، مما أكد الاهمية الجيوسياسية لايران ومنحها أوراق ضغط قوية في مواجهة خصومها، بما في ذلك التلويح بفرض رسوم عبور في المضيق كمكسب إستراتيجي وإقتصادي إضافي . فقد أثبتت الأزمة أن اي إضطراب في المضيق ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ورسخ هذا الواقع مكانة إيران كلاعب لا يمكن تجاهله، مستفيدة من نفوذها وقدرتها على التأثير في حركة الملاحة وإستهداف السفن في منطقة حساسة للإقتصاد العالمي.
والنتيجة أن إيران دخلت المفاوضات من موقع قوي متمسكة برفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، وصندوق إعادة اعمار بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار والحصول على ضمانات تمنع تكرار الهجوم مستقبلا..
خامساً: رسالة إلى حلفاء أمريكا في المنطقة
أنتجت الحرب رسائل إستراتيجية مهمة لدول المنطقة، خصوصا دول الخليج التي تعتمد أمنيا على الوجود العسكري الأمريكي، إذ أثارت تساؤلات حول فعالية المظلة الأمنية الأمريكية في مواجهة التهديدات الحديثة المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة، كما أظهرت التطورات الميدانية ان القواعد الأمريكية نفسها ليست بمنأى عن الإستهداف، فكيف لها ان تحمي الدول المستضيفة؟ ما دفع هذه الدول إلى إعادة تقييم أولوياتها الدفاعية واستراتيجياتها الأمنية بما يتناسب مع بيئة إقليمية أكثر تعقيدا وتقلباً..
ختاماً
رغم الخسائر البشرية والعسكرية، تمكنت إيران من الصمود وافشال أهداف خصومها الرامية إلى إضعاف النظام أو اسقاطه، ما عزز مكانتها الجيو سياسية ورسخ دورها في معادلات المنطقة وسلال إمداد الطاقة والتوازنات الدولية. ومن هذا المنظور تقاس نتائج الحرب بمدى تحقيق الاستراتيجية لا بحجم الخسائر المباشرة، اذ فرضت ايران نفسها لاعبا موثرا لا يمكن تجاهله في ترتيبات المنطقة