صنعاء نيوز - إيهاب مقبل
على الرغم من أن العراق وإسبانيا يتقاربان في عدد السكان، فإن الفجوة بينهما في الأداء الاقتصادي ومستوى التنمية لا تزال واضحة. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها تنوع الاقتصاد، وطريقة إدارة الموارد، ومستوى النزاهة، واستقلال القضاء، وسيادة القانون. وتوضح المقارنة بين البلدين أن امتلاك الموارد الطبيعية وحده لا يكفي لتحقيق التنمية المستدامة، بل يعتمد النجاح الاقتصادي أيضًا على كيفية إدارة هذه الموارد، واستثمارها في بناء اقتصاد متنوع قادر على توفير فرص العمل وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
الميزانية العامة والاقتصاد
يبلغ عدد سكان العراق نحو 48 مليون نسمة، وتبلغ موازنته السنوية حوالي 161 مليار دولار، وهو ما يمثل الإنفاق المخطط للحكومة الاتحادية على مختلف القطاعات، مثل الرواتب، والتقاعد، والخدمات، والاستثمار، والأمن.
وفي المقابل، يبلغ عدد سكان إسبانيا نحو 49 مليون نسمة. وتبلغ ميزانية الدولة الإسبانية نحو 220–230 مليار دولار تقريبًا، بينما يصل إجمالي الإنفاق الحكومي العام عند احتساب الحكومة المركزية، والضمان الاجتماعي، والأقاليم، والبلديات إلى نحو 650–700 مليار دولار سنويًا.
ورغم التقارب الكبير في عدد السكان، قد يتجاوز إجمالي الإنفاق الحكومي الإسباني ثلاثة إلى أربعة أضعاف الإنفاق الحكومي العراقي، بسبب اختلاف حجم الاقتصاد واتساع شبكة الخدمات العامة، بما في ذلك أنظمة الضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، والتعليم، ودور الحكومات الإقليمية والبلديات في إدارة الإنفاق العام.
ولا يقتصر الفرق بين البلدين على حجم الميزانية والإنفاق الحكومي، بل يمتد إلى طبيعة الاقتصاد. فالاقتصاد الإسباني يتميز بتنوعه واعتماده على قطاعات متعددة مثل الصناعة، والخدمات، والسياحة، والزراعة الحديثة، والطاقة المتجددة، مما يمنحه قدرة أكبر على مواجهة الأزمات الاقتصادية وتقلبات الأسواق العالمية.
أما الاقتصاد العراقي فيعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط، التي تشكل المصدر الرئيس لإيرادات الدولة، وهو ما يجعل المالية العامة أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية. كما أن محدودية تنوع مصادر الدخل تؤثر في قدرة الدولة على بناء اقتصاد إنتاجي يوفر فرص عمل مستدامة خارج القطاع الحكومي.
إدارة الثروة النفطية
يمتلك العراق واحدة من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، وقد وفرت هذه الثروة للدولة إيرادات مالية ضخمة على مدى عقود. إلا أن الاعتماد المفرط على النفط، وعدم استثمار جزء كافٍ من عائداته في تطوير الصناعة والزراعة والسياحة والقطاع الخاص والبنية التحتية، حدّ من تنوع الاقتصاد وأضعف قدرته على توفير فرص عمل مستدامة خارج القطاع الحكومي.
وفي المقابل، لا تعتمد إسبانيا على النفط بوصفه مصدرًا رئيسيًا للدخل، بل بنت اقتصادها على قاعدة إنتاجية متنوعة، الأمر الذي أسهم في تحقيق استقرار اقتصادي أكبر، وتعزيز القدرة على النمو وجذب الاستثمارات.
الفقر ومستوى المعيشة
عند مقارنة الفقر بين العراق وإسبانيا، يجب الأخذ بعين الاعتبار أن طريقة القياس تختلف بين البلدين. ففي العراق، تبلغ نسبة الفقر نحو 17% من السكان (نحو 8 ملايين نسمة) وفق خط الفقر الوطني، وهو مقياس يحدد الأشخاص الذين لا يستطيعون تلبية الاحتياجات الأساسية للحياة، مثل الغذاء والسكن والملبس والرعاية الصحية والتعليم.
أما في إسبانيا، فتوجد عدة مؤشرات لقياس الفقر. فوفق مؤشر خطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي (AROPE)، تبلغ النسبة نحو 25.7% من السكان، إلا أن هذا المؤشر لا يعني أن جميع هؤلاء يعيشون في فقر مدقع، بل يشمل الأشخاص الذين يقل دخلهم عن 60% من الدخل الوسطي في المجتمع، أو يعانون من بعض أشكال الحرمان الاجتماعي، أو يعيشون في أسر ذات كثافة عمل منخفضة.
أما الحرمان المادي والاجتماعي الشديد، وهو المؤشر الأقرب إلى مفهوم الفقر الحاد، فتبلغ نسبته في إسبانيا نحو 8.1% من إجمالي السكان (نحو 4 ملايين نسمة). ويعاني هؤلاء من عدم القدرة على توفير عدد من الاحتياجات الأساسية، مثل عدم القدرة على تحمل نفقات غير متوقعة أو عدم القدرة على تناول وجبة تحتوي على اللحوم أو الدجاج أو الأسماك بصورة منتظمة.
وبناءً على ذلك، فإن مقارنة نسبة الفقر في العراق (17%) مع نسبة الحرمان المادي الشديد في إسبانيا (8.1%) تعطي صورة أقرب عن الفقر الحاد، بينما مقارنة العراق مع مؤشر AROPE الإسباني (25.7%) ليست مقارنة مباشرة بسبب اختلاف منهجية القياس. فالفقر في العراق يرتبط غالبًا بعدم القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، بينما ترتبط مؤشرات الفقر في إسبانيا بدرجة كبيرة بانخفاض الدخل مقارنة بمستوى المجتمع، مع وجود نظام متطور للخدمات العامة والضمان الاجتماعي.
النزاهة وسيادة القانون
تُعد النزاهة وسيادة القانون من أهم العوامل المؤثرة في التنمية الاقتصادية. ووفق مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حصل العراق على 28 نقطة من أصل 100، بينما حصلت إسبانيا على 55 نقطة. ويشير ذلك إلى وجود فجوة واضحة في مستوى النزاهة بين البلدين؛ إذ تعكس الدرجة المنخفضة للعراق تحديات كبيرة في مجال مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة، في حين تعكس درجة إسبانيا مستوى أعلى من الشفافية وفعالية المؤسسات، رغم استمرار وجود بعض قضايا الفساد فيها.
وتبلغ الفجوة بين البلدين 27 نقطة، أي أن إسبانيا تتفوق على العراق بهذا المقدار في المؤشر، وهو فرق كبير يعكس اختلافًا في مستوى الحوكمة، والرقابة على المال العام، وفعالية المؤسسات، واستقلال القضاء، وتطبيق القانون. ويُعد هذا الفارق أحد العوامل التي تؤثر في بيئة الاستثمار، وثقة المستثمرين، وقدرة الدولة على تنفيذ الخطط التنموية بكفاءة.
ومع ذلك، يعمل كلا البلدين على تعزيز جهود مكافحة الفساد وتحسين مستوى الشفافية والحوكمة بهدف الوصول إلى مراتب أعلى في مؤشرات النزاهة العالمية. فالعراق يسعى إلى تطوير مؤسساته الرقابية، وتعزيز استقلال القضاء، وتقوية آليات المساءلة، وتحسين إدارة المال العام، بينما تواصل إسبانيا تطوير أنظمتها الرقابية والقانونية لمعالجة قضايا الفساد وتعزيز ثقة المواطنين والمؤسسات.
حرية الإعلام ودوره في مكافحة الفساد
تُعد حرية الإعلام من العوامل المهمة في تعزيز النزاهة والشفافية، إذ يلعب الصحفيون ووسائل الإعلام دورًا رقابيًا في كشف قضايا الفساد، وتسليط الضوء على سوء إدارة المال العام، ومساءلة المسؤولين أمام الرأي العام.
وفي إسبانيا، تكفل القوانين والدستور حرية الصحافة وحق الإعلاميين في الحصول على المعلومات ونشرها ضمن إطار قانوني يحمي العمل الصحفي. كما توفر البيئة المؤسسية والقضائية ضمانات أكبر للإعلاميين عند التحقيق في قضايا الفساد، مما يساعد وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني على أداء دور رقابي فعال، رغم استمرار وجود تحديات وضغوط تواجه الصحفيين، كما هو الحال في العديد من الدول.
أما في العراق، فقد شهد قطاع الإعلام تطورًا ملحوظًا بعد عام 2003 من حيث تعدد وسائل الإعلام، إلا أن الصحفيين لا يزالون يواجهون تحديات تتعلق بالحماية القانونية، والضغوط السياسية، والتهديدات التي قد تعيق قدرتهم على التحقيق في بعض ملفات الفساد. ويُعد تعزيز استقلال الإعلام، وتوفير الحماية القانونية للصحفيين، وضمان حرية الوصول إلى المعلومات، من العوامل المهمة لدعم جهود مكافحة الفساد وتحسين مستوى الحوكمة.
ومن هنا، فإن حرية الإعلام لا تمثل فقط حقًا أساسيًا للمجتمع، بل تُعد أيضًا أداة رقابية تساعد على حماية المال العام وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
خاتمة
تكشف المقارنة بين العراق وإسبانيا أن تقارب عدد السكان لا يعني بالضرورة تقارب مستوى التنمية أو الأداء الاقتصادي. فبينما يعتمد العراق بصورة كبيرة على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، استطاعت إسبانيا بناء اقتصاد متنوع قائم على الإنتاج والخدمات والصناعة والسياحة. كما أن ارتفاع مستوى النزاهة، واستقلال القضاء، وسيادة القانون، إلى جانب تنوع الاقتصاد واتساع شبكات الحماية الاجتماعية، أسهمت في تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز التنمية الاقتصادية في إسبانيا.
وفي المقابل، لا يزال العراق يواجه تحديات تتعلق بتنويع اقتصاده، وتحسين إدارة موارده، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد. ومن ثم، فإن تحقيق تنمية مستدامة في العراق يتطلب استثمار الثروة النفطية في القطاعات الإنتاجية، وتطوير القطاع الخاص، وتقوية مؤسسات الدولة، بما ينعكس على تحسين مستوى معيشة المواطنين، وتوفير فرص عمل، والحد من الفقر.
كما أن تعزيز حرية الإعلام وحماية الصحفيين وضمان حق الوصول إلى المعلومات تمثل عوامل مهمة في بناء مؤسسات أكثر شفافية، إذ يسهم الإعلام المستقل في كشف قضايا الفساد، ومراقبة أداء المسؤولين، وتعزيز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة. لذلك، فإن التنمية المستدامة لا تعتمد فقط على الموارد الاقتصادية، بل تحتاج أيضًا إلى مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وإعلام حر قادر على أداء دوره الرقابي.
انتهى |