صنعاء نيوز/ د. محمد الموسوي -
معضلة الاستقرار والتغيير: التوازن الصعب في السياسة الدولية تجاه إيران
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الإيرانية، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام "مفارقة استراتيجية" معقدة: كيف يمكن دعم تطلعات الشعب الإيراني نحو التغيير الديمقراطي، وفي الوقت ذاته تجنب الانزلاق نحو فوضى عارمة قد تهدد أمن الإقليم واستقراره؟ إن هذه المعادلة ليست مجرد تحدٍ دبلوماسي، بل هي اختبار لمدى نضج السياسات الدولية في التعامل مع الأنظمة التي تعيش مرحلة "التآكل البنيوي".
وهم الاستقرار القائم على الركود
كثيراً ما سادت في أروقة السياسة الدولية قناعة بأن بقاء الأنظمة الاستبدادية هو الضمانة الوحيدة لمنع الفوضى. لكن التجربة الإيرانية أثبتت أن "الاستقرار" الذي يفرضه القمع هو في حقيقته استقرار هش ومؤقت؛ فهو يحبس طاقة الغضب الشعبي تحت ضغط عالٍ، مما يجعل أي انفجار محتمل للوضع أكثر عنفاً وتكلفة. إن المجتمع الدولي يدرك اليوم أن "الاستقرار القائم على القمع" هو بحد ذاته عامل عدم استقرار إقليمي، حيث يؤدي التنافس الداخلي داخل السلطة إلى مغامرات خارجية لتصدير الأزمات.
إدارة التغيير: بين "الانتقال المنظم" و"الانهيار الفوضوي"
لكي لا يتحول التغيير الديمقراطي إلى "فوضى"، يجب على المجتمع الدولي تبني استراتيجية "الاستباق المسؤول". هذا لا يعني التدخل العسكري أو فرض الحلول، بل يعني خلق بيئة دولية تدعم مسارات الانتقال السلمي عبر:
1. تمكين القوى الوطنية: تقديم الدعم السياسي والمعنوي للنخب الإيرانية التي تطرح رؤى بديلة واضحة، والعمل على توحيد جهودهم في إطار ميثاق وطني يطمئن كافة مكونات المجتمع.
2. استراتيجية "الضمانات": إدراك أن الخوف من الفوضى نابع من غياب "البديل الجاهز". لذا، يجب أن يعمل المجتمع الدولي على تشجيع البديل الديمقراطي لإبراز خططه لإدارة المؤسسات، والحفاظ على الأمن، وضمان استمرارية الخدمات العامة خلال فترة الانتقال.
3. عزل آلات القمع: زيادة الضغوط العقابية على الأجهزة الأمنية والقيادات المتورطة في الانتهاكات، مع موازنة ذلك بتقديم رسائل تطمين للكوادر التقنية والإدارية في الدولة بأن استمرار المؤسسات الوطنية هو أولوية في مرحلة ما بعد التغيير.
معالجة مخاوف "عدم اليقين السياسي"
إن حالة "عدم اليقين" التي تلي سقوط الأنظمة الشمولية هي ضريبة طبيعية لا يمكن تجنبها، ولكن يمكن إدارتها. إن المجتمع الدولي مطالب بتبني "دبلوماسية مرنة" لا تراهن على حصان واحد، بل تدعم "مبدأ السيادة الشعبية". إن ضمان عدم وقوع إيران في فخ الحرب الأهلية يمر عبر تشجيع حوار وطني شامل يضم كافة الأطياف السياسية والقومية والدينية، تحت إشراف وضمانات دولية، مما يجعل من عملية التغيير مساراً تفاوضياً وليس صراعاً صفرياً.
الاستقرار المستدام: التغيير كخيار وحيد
الدرس الاستراتيجي الذي يجب استيعابه هو أن التغيير في إيران ليس خياراً مطروحاً على الطاولة، بل هو حتمية تاريخية. إن محاولة الحفاظ على "الوضع الراهن" خوفاً من المجهول هي في حد ذاتها استثمار في فوضى مستقبلية أكبر. إن الاستقرار المستدام لا يُبنى إلا على شرعية ديمقراطية؛ فالأنظمة التي تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع هي الأكثر قدرة على الالتزام بالقانون الدولي، والأكثر ميلاً للتنمية بدلاً من المواجهة.
الخاتمة: نحو رؤية دولية متكاملة
في المحصلة، إن التوفيق بين "الاستقرار" و"التغيير" يتطلب شجاعة استراتيجية. يجب أن يتوقف المجتمع الدولي عن النظر إلى إيران كملف أمني مغلق، ويبدأ في التعامل معها كدولة تخوض عملية إعادة بناء هوية. إن دور العالم ليس اختيار من يحكم إيران، بل تهيئة الظروف التي تتيح للشعب الإيراني اختيار ممثليه في أجواء حرة وآمنة. إن التغيير الديمقراطي، رغم مخاطره المؤقتة، يظل الطريق الأقصر والأضمن للوصول إلى إيران مستقرة، مزدهرة، وشريك موثوق في أمن واستقرار المنطقة.
د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي |