صنعاء نيوز/ ايهاب مقبل - إيهاب مقبل
في وقت تتزايد فيه أعداد الحيوانات المشردة في المدن العراقية، برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرات فردية يقودها شبان ومتطوعون اختاروا التعامل مع هذه الظاهرة من منظور إنساني، عبر إنقاذ الحيوانات الجريحة والجائعة، وتوفير المأوى والعلاج لها، بدلًا من تركها تواجه مصيرها في الشوارع.
ومن بين هذه المبادرات، تبرز تجربة الشاب العراقي عبد الله طارق، الذي يوثق عبر قناته على منصة يوتيوب جهوده اليومية في رعاية الكلاب والقطط المشردة، مقدمًا نموذجًا تطوعيًا لاقى متابعة كبيرة داخل العراق وخارجه، وأسهم في نشر ثقافة الرفق بالحيوان عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إطعام وعلاج وإنقاذ
تعرض مقاطع الفيديو التي ينشرها عبد الله طارق مشاهد لإنقاذ كلاب وقطط تعرضت للإصابة أو المرض أو الجوع، حيث يقدم لها الطعام والماء، وينقل بعضها لتلقي العلاج البيطري، قبل أن يؤويها في مكان آمن حتى تستعيد عافيتها.
وتظهر المقاطع أيضًا رعاية الجراء والقطط الصغيرة التي فقدت أمهاتها أو وُجدت في ظروف صعبة، إلى جانب توثيق مراحل تعافي الحيوانات بعد علاجها، وهو ما أسهم في جذب آلاف المتابعين المهتمين بقضايا الرفق بالحيوان.
ومن بين القصص التي لاقت تفاعلًا واسعًا، وثّق عبد الله طارق عملية إنقاذ قط صغير عثر عليه ملقى في أحد شوارع العراق خلال موجة حر، وقد بدا عليه الإرهاق وصعوبة التنفس بسبب ارتفاع درجات الحرارة. ويظهر في المقطع أنه قام بتنظيف القط ونقله إلى منزله، حيث وفر له الطعام والماء والرعاية اللازمة حتى بدأت حالته الصحية تتحسن تدريجيًا.
وأشار إلى أن بقاء القط في الشارع كان سيجعله عرضة لمخاطر عديدة، من بينها الجفاف أو الهلاك بسبب الحر الشديد، فضلًا عن احتمال تعرضه لهجوم من حيوانات أخرى. واختتم المقطع بدعوة إلى نشر ثقافة الرحمة بالحيوانات في العراق والدول العربية، مؤكدًا أن تقديم المساعدة لحيوان مشرد، ولو بكمية من الماء أو الطعام، قد ينقذ حياته.
وفي مقطع آخر، وثّق عبد الله طارق رعايته لمجموعة من الكلاب المشردة التي سبق أن قدم لها العلاج، موضحًا أنها أصبحت تعود كل ليلة إلى باب منزله للحصول على الطعام والماء. ويظهر في الفيديو عدد من الكلاب، في مشهد يعكس اعتيادها على المكان بعد تلقي الرعاية بصورة متواصلة.
ووجّه عبد الله طارق من خلال المقطع رسالة إلى المواطنين دعا فيها إلى عدم ضرب الكلاب أو تسميمها أو قتلها، مطالبًا بالتعامل معها برحمة، وحثّ الناس على وضع بقايا الطعام وأوعية الماء في أماكن آمنة، ولا سيما خلال فترات الحر الشديد، باعتبار أن هذه المبادرات البسيطة قد تساعد الحيوانات المشردة على البقاء وتخفف من معاناتها. كما دعا إلى اعتماد حلول إنسانية وعلمية للتعامل مع ظاهرة الكلاب السائبة، بدلًا من العنف أو القتل العشوائي.
جهود فردية في ظل تحديات كبيرة
تعكس هذه المبادرة حجم التحديات التي تواجه الحيوانات المشردة في العراق، حيث تنتشر الكلاب والقطط السائبة في عدد من المدن نتيجة عوامل متعددة، من بينها التخلي عن الحيوانات الأليفة، وتكاثرها في الشوارع، وتوفر الغذاء في مكبات النفايات.
ورغم محدودية الإمكانات، يواصل متطوعون عراقيون تقديم المساعدة للحيوانات اعتمادًا على جهودهم الشخصية أو على تبرعات من متابعين، في ظل الحاجة إلى برامج أكثر تنظيمًا تشمل التعقيم والتطعيم وتحسين إدارة النفايات، بما يسهم في الحد من أعداد الحيوانات المشردة بصورة علمية وإنسانية.
اختفاء الكلاب السائبة.. هل يؤثر على التوازن البيئي؟
يرى مختصون أن اختفاء الكلاب السائبة من الشوارع بشكل مفاجئ لا يعني بالضرورة انتهاء جميع المشكلات المرتبطة بالحيوانات في المدن، إذ قد يؤدي غيابها إلى تغيرات في التوازن البيئي، خاصة في المناطق التي تعتمد فيها بعض الكائنات على المخلفات كمصدر للغذاء.
فالكلاب المشردة، رغم ما تسببه من تحديات تتعلق بالصحة العامة أو السلامة في بعض المناطق، تشكل جزءًا من النظام البيئي الحضري، وقد تسهم في الحد من انتشار بعض الحيوانات الأخرى مثل القوارض، كما تستهلك جزءًا من بقايا الطعام والنفايات العضوية.
وتشير تجارب بيئية في مناطق مختلفة من العالم إلى أن إزالة المفترسات أو تقليص أعدادها قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة. ويستشهد بعض المهتمين بالبيئة بما يُتداول عن مناطق إفريقية شهدت حملات واسعة للقضاء على الأسود، حيث أدى تراجع أعدادها إلى تغيرات في سلوك وأعداد بعض الحيوانات الأخرى، ومنها القرود التي اقتربت من مناطق سكنية بحثًا عن الغذاء، في إشارة إلى أن اختلال أي حلقة في السلسلة البيئية قد ينعكس على بقية الكائنات.
ويشير خبراء إلى أن التعامل مع ظاهرة الكلاب السائبة لا ينبغي أن يقوم على الإزالة العشوائية، بل على حلول علمية تشمل التعقيم والتطعيم وتحسين إدارة النفايات، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع والحفاظ على الرفق بالحيوان.
وسائل التواصل تنشر ثقافة الرحمة
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي وسيلة مهمة لنشر ثقافة الرفق بالحيوان في العراق، إذ لا تقتصر مقاطع الفيديو على توثيق عمليات الإنقاذ، بل تسلط الضوء أيضًا على معاناة الحيوانات في الشوارع، وتشجع المتابعين على تقديم المساعدة أو تبني الحيوانات التي فقدت أصحابها.
ويرى متابعون أن هذه المبادرات تسهم في تغيير الصورة السائدة عن الكلاب والقطط المشردة، إذ تظهرها ككائنات تحتاج إلى الرعاية والعلاج، لا إلى العنف أو الإهمال، كما تشجع على تحمل المسؤولية تجاه الحيوانات الأليفة، وتلفت الانتباه إلى أن التخلي عنها قد يحولها إلى حيوانات مشردة تواجه الجوع والمرض والمخاطر اليومية.
بين الفقه والرحمة.. كيف ينظر المجتمع إلى رعاية الحيوانات المشردة؟
تثير قضية رعاية الحيوانات المشردة في العراق، ولا سيما الكلاب السائبة أو الكلاب الضالة، نقاشًا بين الجوانب الدينية والاجتماعية، إذ يربط بعض أفراد المجتمع بين الأحكام الفقهية المتعلقة بالكلاب وبين طريقة التعامل معها في الشوارع، بينما يرى مهتمون بقضايا الرفق بالحيوان أن هناك فرقًا بين أحكام الطهارة وبين مبدأ الرحمة والإحسان إلى الكائنات الحية.
ويشير باحثون في الشأن الإسلامي إلى أن الإسلام دعا إلى الرفق بالحيوان، وأن الأحكام المتعلقة بالطهارة أو اقتناء بعض الحيوانات لا تعني بأي حال جواز تعذيبها أو تجويعها أو الاعتداء عليها، مؤكدين أن الرحمة بالحيوان تمثل جانبًا أخلاقيًا وإنسانيًا حاضرًا في التعاليم الإسلامية.
ويستشهد المهتمون بهذا المجال بقول الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، الأنعام: 38.
ويرى هؤلاء أن الآية تشير إلى أن الحيوانات مخلوقات لها حياتها وأنظمتها الخاصة، وأن التعامل معها يجب أن يقوم على المسؤولية والرحمة، لا على الإيذاء أو الإهمال.
كما يستدل العلماء بقصة الرجل الذي غفر الله له بسبب رحمته بكلب عطشان، إذ قال النبي ﷺ: «بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له». فقالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال ﷺ: «في كل كبد رطبة أجر». متفق عليه.
وفي العراق، يرى ناشطون ومتطوعون أن هذه المبادئ تدفعهم إلى مساعدة الكلاب والقطط المشردة عبر توفير الطعام والماء والعلاج للحيوانات المصابة أو الجائعة، موضحين أن إنقاذ حيوان يعاني في الشارع يدخل ضمن مفهوم الرحمة والإحسان.
ويؤكد فقهاء وناشطون في مجال الرفق بالحيوان أن الموقف الفقهي السائد في العراق، لدى مختلف المذاهب الإسلامية والحوزة العلمية، يفرق بين الأحكام المتعلقة بالطهارة وبين التعامل الأخلاقي مع الحيوان، إذ لا تُعد نجاسة الكلب مبررًا لتعذيبه أو إيذائه أو الاعتداء عليه. ويشددون على أن القسوة على الحيوانات، سواء بالضرب أو التجويع أو الإيذاء، تتعارض مع مبادئ الرحمة التي تحث عليها التعاليم الإسلامية.
كما يفرق كثير من المتطوعين بين رعاية الحيوانات وبين الأحكام الفقهية المتعلقة بالطهارة أو اقتناء الكلاب، مؤكدين أن تقديم المساعدة لحيوان مصاب أو توفير الماء والطعام له لا يعني بالضرورة تربيته داخل المنزل، بل هو استجابة لمعاناته.
ويرى مراقبون أن نشر هذا الفهم قد يسهم في إيجاد توازن بين احترام القيم الدينية والثقافية للمجتمع العراقي، وبين اعتماد أساليب إنسانية وعلمية للتعامل مع ظاهرة الحيوانات المشردة.
نحو حلول أكثر إنسانية
ويرى مختصون أن التعامل مع ظاهرة الحيوانات المشردة لا ينبغي أن يقتصر على المبادرات الفردية، رغم أهميتها، بل يحتاج إلى تعاون بين البلديات والجهات البيطرية ومنظمات المجتمع المدني، عبر برامج متكاملة تشمل التعقيم والتطعيم، وتحسين إدارة النفايات، والتوعية بمسؤولية اقتناء الحيوانات الأليفة، ومنع التخلي عنها.
ويؤكدون أن هذه الإجراءات تحقق توازنًا بين حماية الصحة العامة والرفق بالحيوان، وتعد أكثر فاعلية واستدامة من الحلول العشوائية التي أثبتت التجارب محدودية أثرها.
مبادرة تلهم آخرين
ومع تزايد انتشار هذه المقاطع، يأمل عبد الله طارق، كما يظهر في رسائله المصاحبة للفيديوهات، أن تشجع تجربته مزيدًا من الشباب على تقديم المساعدة للحيوانات المشردة، ولو بوضع أوعية ماء وبقايا الطعام في أماكن آمنة، خاصة خلال فصل الصيف، أو نقل الحيوانات المصابة إلى العيادات البيطرية، أو المساهمة في رعايتها حتى تتعافى.
وتعكس هذه المبادرات أن مواجهة ظاهرة الحيوانات المشردة لا تقتصر على المؤسسات الرسمية وحدها، بل يمكن أن يساهم فيها الأفراد أيضًا، عبر نشر ثقافة الرحمة والمسؤولية، بما ينسجم مع القيم الإنسانية والدينية التي تدعو إلى الرفق بكل كائن حي.
الفيديوهات:
https://www.youtube.com/shorts/N8elqapDfM8
https://www.youtube.com/shorts/NEIknb1Zm9E
https://www.youtube.com/shorts/J4tdEZ9TWrE
https://www.youtube.com/shorts/gijIQncOQwU
https://www.youtube.com/shorts/LfG8mSMb6c0
https://www.youtube.com/shorts/YsdphpyPQRQ
انتهى |