صنعاء نيوز -
تقرير/ قراءة نقديّة
بين عشية وضحاها، تحولت المنصات الإعلامية إلى ساحة للاحتفاء بـ"إنجاز" إعادة فتح خطوط الطيران من مطار صنعاء الدولي إلى العاصمة الأردنية عمان. ضجيج التبريكات والبيانات الرسمية المتبادلة حاول رسم صورة "إنسانية" حانية، وكأن الرحمة هبطت فجأة على قلوب الأطراف المتصارعة، لتلتفت أخيراً لمعاناة شعبٍ مطحون.
لكن خلف هذا الستار اللامع، تختبئ حقيقة مرة، ويفوح تساؤل مرير يطرحه الشارع اليمني المنهك: على مَن يضحك هؤلاء؟ وعن أي معاناة يتحدثون؟
أرقام فاضحة: تذكرة سفر لـ"النخبة" مقابل مجاعة شعب
تضع المقارنة البسيطة بين المستفيدين من المطار وبين ضحايا الأزمة الإنسانية الشاملة، الجهاتِ المزايدةَ في موقف مخزٍ:
المسافرون عبر المطار: بضعة آلاف من القادرين والميسورين.
الموظفون بلا مرتبات: أكثر من 2 مليون موظف يعيشون بلا رواتب للعام العاشر على التوالي تحت القبضة والتعنت الحوثي.
الجوعى المنسيون: نحو 15 مليون يمني انقطعت عنهم المساعدات الإغاثية والغذائية للعام الثاني، نتيجة لسياسات التعطيل والنهب الممنهج.
هذه المفارقة الصادمة تكشف أن "المطارات" لم تكن يوماً الأولوية القصوى لـ 90% من الشعب الذي لا يجد قوت يومه، مما يحول هذا الإجراء إلى "نافذة فرز طبقي" يستفيد منها المقتدرون وقادة الجماعة الذين تضخمت ثرواتهم، بينما يرزح ملايين البؤساء تحت خط الفقر.
رحلة العذاب: جوازات "الشرعية" وجبايات "الحوثي"
حتى تلك الإنفراجة الصورية، تصطدم بواقع تعسفي مرير. فالمواطن البسيط الذي قد تضطره ظروف المرض العضال للسفر، يجد نفسه أمام جدارين من العذاب:
1. أزمة الجوازات: إجبار المسافرين على الانتقال إلى مناطق الحكومة الشرعية لاستخراج بطاقات شخصية وجوازات سفر وسط دوامة من المعاملات المعقدة، والرشاوى التعسفية، والابتزاز المالي.
2. شح الإمكانيات: الملايين من أبناء الشعب لا يملكون أساساً قيمة تذكرة الطيران، مما يجعل المطار مجرد "أمنية بعيدة المنال" للكثيرين.
هذا الواقع يدفع الكثير من المراقبين للتساؤل: هل فتح المطار هو حقاً لرفع المعاناة؟ أم أنه فُتح كـ"نافذة لتهجير" ما تبقى من الكفاءات واليمنيين الراغبين بالنجاة بجلدهم من جحيم العذاب الحوثي؟
المطلب الحقيقي: الرواتب والإغاثة أول. إن ملايين البؤساء ومنهوبي الرواتب يدعون ليل نهار أن يرفع الله عنهم هذه الغُمّة، وأن يزيل الفاسدين والمتاجرين بأوجاعهم. إن الشكر المرتبط بفتح المطار يبقى ناقصاً ومبتوراً، بل ويتحول إلى غطاء للفساد ما لم يتبعه تحرك حقيقي وجاد لملامسة الوجع الأساسي للمواطن. إن أي اتفاقات لا تتضمن:
صرف مرتبات الموظفين بانتظام ومنع التلاعب بها.
إعادة تدفق المساعدات الإغاثية للملايين الذين يفتك بهم الجوع.
ستظل مجرد "مزايدات سياسية" تتاجر بآلام اليمنيين. لقد بحت أصوات الجوعى، ولم يعد في الوقت متسع للمناورات؛ فإما التفاتة حقيقية لمعاناة الإنسان اليمني في لقمة عيشه، أو ترقُّب غضبة شعبية وسخط لا يبقي ولا يذر. |