صنعاء نيوز - كرة القدم بين المستطيل الأخضر ومحاكمة التاريخ: قراءة في انقسام الجماهير حول نهائي كأس العالم 2026 بين إسبانيا والأرجنتين

الثلاثاء, 21-يوليو-2026
صنعاء نيوز -

حيدر حسين سويري

لم تكن الصافرة النهائية لمباراة ختام كأس العالم 2026— والتي أعلنت تتويج المنتخب الإسباني بطلاً للعالم بعد تفوقه على نظيره الأرجنتيني — مجرد حدث رياضي ينتهي بانتهاء مراسيم التتويج وتوزيع الميداليات. بل تحولت المباراة، بفضل المشهد السياسي والثقافي المتوتر في الشارع العربي والإسلامي، إلى منصة سجال فكري وسياسي وتاريخي عميق، تعكست فيه أبعاد المعرفة وعمق الوعي ومزالق السطحية لدى الجماهير.

أولاً: الانحياز السياسي الراهن ومواقف الشارع العربي
مع إعلان صافرة النهاية وفوز إسبانيا، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمشاعر الابتهاج والتفاعل السريع. فقد اندفع قطاع واسع من الجمهور للاحتفال بالفوز الإسباني، لا بناءً على الأداء التكتيكي والمهارات الكروية لنجوم المنتخب فحسب، بل اتكاءً على الموقف السياسي الراهن للحكومة الإسبانية، التي اتخذت مواقف جادة وشجاعة في دعم القضية الفلسطينية ورفض الممارسات العنصرية وحرب الإبادة.
في المقابل، جاء الموقف السلبي الحاد تجاه الأرجنتين رداً على التوجهات السياسية الرسمية لإدارتها الحالية، التي أعلنت انحيازها الصريح ومساندتها المطلقة للكيان العنصري، مما أثار حفيظة الشارع العربي والإسلامي وجعل تشجيع الأرجنتين بالنسبة للعديد من المتابعين بمثابة قبول ضمني بسياساتها.

ثانياً: محاكمة التاريخ.. بين جراح الأندلس وواقع اليوم
على الضفة الأخرى من السجال، ارتفعت أصوات فكرية وتاريخية تنبه إلى مخاطر هذه النظرة التبسيطية التي لا ترى أبعد من كفوف يديها. فقد أشار ناقدون إلى أن الاحتفاء بإسبانيا لمجرد موقف سياسي آني يعبر عن قصر نظر وانقطاع عن الوعي التاريخي.
فالدولة الإسبانية قامت تاريخياً على مشروع كنسي صليبي استهدف إبادة المسلمين في الأندلس، وتهجيرهم، واستعباد باقي الفئات، ومحو الهوية الدينية عبر محاكم التفتيش؛ وهو ما يتجاوز في قسوته الممارسات الاستعمارية الحديثة. ويرى أصحاب هذا الطرح أن المواقف السياسية التكتيكية للدول في الوقت الحاضر لا يمكن أن تسقط الجرائم التاريخية أو تغسل الذاكرة الحضارية. ولو افترضنا — جدلاً — أن كياناً استعمارياً نجح في محو شعب بالكامل واستتب له الأمر، ثم اتخذ بعد قرن أو قرنين موقفاً نبيلاً تجاه مظلومية شعب آخر (كالمضطهدين في أفريقيا مثلاً)، فهل يحوله ذلك تلقائياً إلى دولة مناصرة للحق والعدل؟

ثالثاً: تفكيك السردية التاريخية ونقد الذات الحضارية
في غمار هذا السجال، تعالت أصوات نقدية أخرى تنادي بضرورة المراجعة الشاملة للسرديات التاريخية الموروثة ونقد "التاريخ الأعوج" الذي درسناه. فقد ذهب حقوقيون ومفكرون إلى أن سقوط الأندلس لم يكن مجرد مؤامرة خارجية، بل كان نتيجة طبيعية للظلم والاستبداد والغرق في الفجور والطرب ومعاقرة الخمور، والانغماس في السلطوية التي مارسها حكام الأندلس في أواخر عهدهم.
فالغزو والتوسع لم يكن في كثير من محطاته يمثل جوهر الإسلام القائم على العدل والتواضع والتسامح، بل شابته ممارسات السلطة والصراع على الهيمنة وبناء القصور والرفاهية الفردية، مما جعل الشعوب المفتوحة ترى في تلك السلطة وجهاً للسيطرة لا للرسالة الحضارية. وبالتالي فإن هزيمة تلك الدول كانت محصلة حتمية للسنن التاريخية والظلم.
إن بناء ثقافة حضارية واعية يتطلب الابتعاد عن ازدواجية المعايير؛ فلا يجوز نقد الفتوحات والاستعمار الغربي بينما نغض الطرف عن الأخطاء والانتهاكات التي شابت التاريخ السياسي الإسلامي. فالتاريخ ليس ساحة للمفاضلة العاطفية بل مجال لاستخلاص العبر.

رابعاً: الحاجة إلى سردية حضارية جامعة
إن السجال الذي رافق نهائي كأس العالم 2026 بين الأرجنتين وإسبانيا يكشف عن أزمة أعمق؛ وهي أزمة الغياب عن الوعي الحضاري المترابط. إننا بحاجة ماسة إلى صياغة "سردية حضارية" ناضجة، تتجاوز الانفعالات العاطفية واللحظية، وتزن الأمور بميزان القيم المبدئية الثابتة:
1- الفصل المنهجي بين الرياضة والموقف الأخلاقي: الاستمتاع بالرياضة كحدث تنافسي دون تحويلها إلى صكوك غفران سياسية للدول.
2- الوعي النقدي بالتاريخ: قراءة التاريخ بعين فاحصة وموضوعية لا تبرر الظلم القديم ولا تنخدع بالاستقطاب الحديث.
3- التركيز على سؤال النهضة الذاتية: التوقف عن التبعية العاطفية واستغراق الذات في أوهام الجنتين (الدنيا والآخرة) دون عمل حقيقي، والتركيز بدلاً من ذلك على بناء المقومات الحضارية الذاتية للنهوض من النكسات المتلاحقة.
بقي شيء...
في النهاية، يبسط المستطيل الأخضر أحكامه وتمر البطولات وتُنسى الألقاب، لكن تبقى النقاشات التي تفجرها هذه المناسبات شاهدة على المدى الفكري والوعي الثقافي للشعوب. إن الخروج من حالة النكسة والتخلف لا يكون بالتحزب العاطفي السطحي، بل بامتلاك رؤية حضارية متكاملة تدرك أين تقف، ولماذا تعيش، وإلى ماذا تسعى.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 21-يوليو-2026 الساعة: 10:34 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-109265.htm