صنعاء نيوز - تعمّدت أن أبدأ هذه السلسلة من “عرفتهم” بالكتابة عن “عبد الله حمزات”، وعن تجربته الإنسانية العميقة، لإيماني بأن الإنسان، مهما بدا موقعه

الأحد, 26-يوليو-2026
صنعاء نيوز/ بقلم د غسان شحرور -


تعمّدت أن أبدأ هذه السلسلة من “عرفتهم” بالكتابة عن “عبد الله حمزات”، وعن تجربته الإنسانية العميقة، لإيماني بأن الإنسان، مهما بدا موقعه عادياً، قادر على أن يقدّم رسالة حيّة ومؤثرة لكل من حوله، خاصة إذا امتلك القدرة على مواجهة التحديات بصبر، وعزم، وإيمان لا ينكسر.

نعم… إذا تأملنا جيداً فيمن حولنا، سنجد بين الناس العاديين من يلهمنا بعمق. القضية دائماً تكمن في قدرتنا على التعلّم من التجارب الصامتة التي يعيشها أبناء مجتمعاتنا، أولئك الذين لا يملكون المنابر، ولكنهم يملكون ما هو أثمن: إرادة الحياة.

ينتمي “عبد الله محمود حمزات” (1974–2004) إلى أسرة فلسطينية لجأت إلى سورية عام 1948 بعد نكبة “فلسطين”. عانت أسرته مرارة اللجوء وقسوة العيش في المخيمات، وتوالت على العائلة المصاعب؛ إذ فقد شقيقته نتيجة مرض مفاجئ، وولدت شقيقته الأخرى صماء، وأُصيب والداه بأمراض مزمنة تتطلب علاجاً دائماً.

في سنواته الأولى، أُصيب “عبد الله” بشلل الأطفال، فامتد الشلل إلى رجله وظهره وذراعه ويده، وأعاقه عن المشي والحركة لأشهر طويلة. لم يكن أمامه إلا الاستعانة بعكازين وجهاز طبي للظهر والساق اليمنى ليتمكن من السير ببطء شديد. ومع ذلك، لم يتراجع عن حلمه في مواصلة التعليم، رغم صعوبة التنقل من وإلى المدرسة، ورغم نظرات الشفقة الجارحة في عيون بعض زملائه.

مرت السنوات ثقيلة، لكنه تمكن من تحقيق حلمه الأول، وأنهى المرحلة الثانوية، ثم التحق بالمعهد التجاري ليكمل تعليمه العالي. وما إن بدأ يلمس ثمرة جهده، حتى باغته مرض عضال تفشى في جسده بسرعة، فاضطر إلى التوقف عن الدراسة مؤقتاً بسبب إرهاق العلاج الكيميائي والشعاعي. ومع أول هدنة للمرض، عاد إلى مقاعد الدراسة بإصرار مضاعف، يدرس ليل نهار، حتى تكللت جهوده بالتخرج من المعهد، ثم التحق بأول فرصة عمل ليعين أسرته.

ورغم الظروف القاهرة التي عاشها، لم يتردد عبد الله في الانخراط في العمل التطوعي. انضم إلى لجنة المتطوعين في “الهيئة الفلسطينية للمعوقين في سورية”، وشارك بفعالية في نشاطاتها التوعوية والتدريبية والاجتماعية. لم يمنعه المرض من متابعة هذا العطاء، بل كان يشجّع زملاءه على التطوع والمشاركة في الندوات وحملات التوعية والأنشطة الإنسانية.

كثيراً ما كان يزورني في عيادتي الخاصة ليحدّثني عن مشاريعه وأفكاره بروح مرحة مفعمة بالأمل. وفي عام 1997، دعوته لإلقاء كلمة باسم المتطوعين في ندوة ثقافية نظّمتها في المركز الثقافي العربي بدمشق، فرحّب على الفور. وفي اليوم الموعود، ألقى كلمته بثقة واقتدار، وقد حفظها عن ظهر قلب. ترك أثراً عميقاً في قلوب الحاضرين، وختم كلمته بجملته الشهيرة التي ظل يرددها دوماً:

“ليس العاجز من يحمل العصا… إنما العاجز من لا يستطيع تحدي الحياة.”

نعم… لم يستطع الفقر، ولا المرض، ولا الإعاقة، أن يُخضعوا هذا الفارس النبيل. بقي “عبد الله حمزات” متمسكاً بالأمل حتى اللحظة الأخيرة. كافح اللجوء، وواجه الإعاقة، وصارع المرض الخبيث، وفي الوقت نفسه كان رائداً من رواد العمل الاجتماعي التطوعي الشبابي.

ما يملكه “عبد الله” من شجاعة وعزيمة وهو في مقتبل العمر، يدفعنا إلى الانحناء احتراماً. لقد جسّد نموذجاً نادراً للإنسان الذي يرفع راية الأمل في أحلك لحظات اليأس، ويصنع من ضعفه قوة، ومن معاناته رسالة.

إن أمثال “عبد الله” من أبناء مجتمعاتنا العربية يستحقون منا كل وفاء، لأنهم يمثلون القيم الإنسانية في أنبل صورها. ومن واجبنا أن نُوصل رسائلهم وتجاربهم إلى العالم، فحضارة الشعوب تُقاس بقدرتها على احترام الإنسان، والوفاء له، والوفاء للإنسان هو أول لبنة في بناء مجتمع سليم، ووطن قادر على النهوض.

قصة “عبد الله حمزات”، ليست فقط سيرة فرد، بل مرآة لقدرة الإنسان على تحويل الألم إلى أمل.

*lعرفتهم: زاوية ثقافية دورية يكتبها د. غسان شحرور



تمت طباعة الخبر في: الأحد, 26-يوليو-2026 الساعة: 05:41 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-109337.htm