صنعاء نيوز - 
... فما عشناه نحن المغاربة في وسط تلك الديار الجزائرية التي بقدر ما احترمناها وأحببنا أهلها ، كانت تخفي بين جنباتها أناساُ تنكروا للجميل

السبت, 01-أغسطس-2026
صنعاء نيوز/ بغداد : مصطفى منيغ -

... فما عشناه نحن المغاربة في وسط تلك الديار الجزائرية التي بقدر ما احترمناها وأحببنا أهلها ، كانت تخفي بين جنباتها أناساُ تنكروا للجميل ، وحاولوا جرَّ بعض ضعاف العقول ومرضى النفوس إلى إلحاق الضرر بمن ربط مصيره بمصير وطنه المغربي ، أو أظهر تدمره بما يُحاك في الخفاء من أعمال أقل ما يُقال عنها أنها منافية لتضحيات الشهداء المغاربة الذين ضمتهم التربة الجزائرية وهم يدافعون عن حريتها وانعتاقها واستقلالها .

إنها الصورة الحقيقية للكفاح المرير الذي خضناه نحن المغاربة في الجزائر ، مساهمة منا في تلبية النداء الملكي للمشاركة في المسيرة الخضراء المظفرة ، أسترجعها اليوم وكأني أعيشها منذ لحظات فقط ، متضمنة حقائق تُنشر لأول مرة .

... وجدت نفسي وحيداً بعدما ودَّعتُ آخر شبر من التراب المغربي في اتجاه " للا مَغْنِيَّةْ" ، أول خطوة لي في البلاد الجزائرية الشاسعة الأطراف ، أواجه سكونا لا يعكِّرُ صَفْوَهُ إلا هبوب ريح ينبئني بمقدم ليلة ماطرة باردة ، وكم هو صعب قطع أية مسافة مشياُ على الأقدام ، صاعداً هضاباً بلا لأنيس أحتمي بدفء الدردشة معه في مثل المواقف العصيبة ، وطرداً لكل صورة يلتقطها الخيال ، وقد أمسكت بي دورية شرطة الحدود ، أو من الدرك أو الجيش الجزائري ، في تلك الفيافي شبه القاحلة إلا من دورٍ متواضعة منتشرة هناك على مرمى البصر ، يتجاهلها كل مار مثلي تفاديا للمساءلة المتبوعة بما لا يُحمد عقباه ، وحتى أشغل نفسي بأي شيء ، تذكَّرتُ القائد "الراشدي العلوي" ( الكاتب العام لعمالة أقيم زْوَاغَة مولاي يعقوب وعامل إقليم أَزيلال سابقا) ، وهو يسألني ( داخل مكتبه بمقر باشوية وجدة ، حينما أخبرته بذهابي إلى الجزائر) عن السبب الذي جعلني أفكر في القيام بذلك ؟؟؟، ابتسمتُ وقلتُ له حرفياً : قد أعود يوماً ما من هناك ، وأطلعك عن جواب قد ينفعك مستقبلاً ويهديك لمغرفة أن المغربي المؤمن بقضية تخدمه وبلده ، إذا عزم على شيء ليس بمقدور أحد منعه سوى خالقه ، كان القائد الراشدي العلوي شاباً أنيقاً معتزاً بنفسه جد مقرب للباشا " بِنْعُودَة عُصْمَانْ" ن الشقيق الأكبر والأب الروحي للسيد "أحمد عصمان" رئيس الحكومة سابقا ، مما أعطاه حضوراً على صعيد السلطة محلياً ، مَن رضي عليه مطمئناً ، ومن ضايقه ولو بسماع مباشر لمثل الكلمات التي واجهته بها ، عليه أن يحتاط من أي غضب قد يشمله ، لكنني أكبر من دلك بكثير ن لا يهمني إلا ما أظهره من مواقف أتخذها وأنا على حق ، والأيام كفيلة بإنصاف تلك المواقف وجعلها نبيلة تستحق الإعجاب والاحترام .

... لم أشعر بالعياء لكن القلق ازداد مع ازدياد الظلام الكثيف ، مانعاً الرؤية الواضحة لسلوك أنسب المسالك ( حتى وإن سبق أن تدرَّبتُ في قرية "بِرْكَنْتْ"كما كانت تُسمى قبل استبدالها لاحقاً "بعين بني مَطْهَرْ"البعيدة عن "وجدة" في اتجاه "تَنْدْرارَهْ" ف"إبُوعَرْفَة" ثم "فِجِيجْ" بما يقارب الثمانين كيلومتر ) على المشي ليلاً وفق مقاييس معيَّنة ، لكن الجو ما كان مُسعفاً ولا مُعترفاً لا بتقنية المشي ليلاً بدون إنارة ولا بخرائط ، ولا مناص من الموضعية إلا بالصبر والتبات والتضرُّع إلى المولى جلَّ وعلا ، وبالتالي عدم التوقُّف عن المسير وإن اتخذ شكل البطيء بصلابة إرادة لا تُقاوَم .

... قبل الاسترسال استرجاعاً لتلك المواقف المشهودة في حياتي خدمة لوطني المغرب مع التدقيق قدر المستطاع ، في وصف الأحداث التي التي تعرَّضتُ لها وفق منظور صادق يُقَرِّب الأشياء بعضها لبعض ولا يفرِّق ، إذ الشعب الجزائري في نظري المتواضع شيء ونظامه (كما عايشتُ شخصيا) المتحكم المطلق في تدبير شأنه في المجالين المحلي كالدولي شيء ثاني ، همان استثناءات لكنها تبقى بسيطة غير مؤثرة ، أصحابها أناس (وإن كانوا أقلية)تجاهلوا النضال البطولي المرير الذي خاضه المغاربة الأحرار جنبا لجنب مع المجتهدين الجزائريين الأبرار ، ضد المستعمر الغاشم المشترك لبلديهما ، الاستعمار الفرنسي ن في ربوع وجدة وهذه الطرق التي أقطعها في اتجاه مدينة للا مغنية ن ن مواقع كثيرة منها حافلة بما يرمز لتلك المرحلة التي أتمنى أن لا ينساها كلاهما ، إذ مصيرهما لا زال مشتركا وسيظل ، لأن الإنسان مهما بلغ من القوة لن يستطيع تغيير الجغرافية ، ومَن يعرف المنطقة مثلي يصعب عليه التفريق بين هذا مواطن مغربي وذاك جزائري .

... قلتُ قبل الاستمرار في استرجاع الوقائع ، أود أن أسجل أن المتحدِّث َ عن الجزائر واجب عليه التوفر على شروط قد يتجاوزها حتى التعداد الخاص التالي :

عاشراً: أن يكون مُدركاً عمق الخطورة المقبل عليها في هذا الظرف بالذات والبلدين المتجاورين بحكم الطبيعة والتصوير من الفضاء ، ما لا يتركا أدنى شك أن "السعيدية" امتداد ل"بور سعيد" ، وهذا الأخير خلفية لا يحدها سوى حكم البشر، دون الدخول في تفاصيل أخرى ن انطلاقاً من "عين الصفراء"إلى "بني ونِّيفْ" إلى "زوج بغال" ، أصحاب الأراضي المغنية لا يخفَى عليهم سر ما أقصد ، خاصة إن كان المتحدث كما سأفعل ينطلق من الحياد الإيجابي الذي لا تسوقه العاطفة الجوفاء لتفضيل هذا الجانب على ذاك إلا "مُدافعاً" عن الحق متمسكاً بإنصاف كل زوايا وإن كانت إحداها سياسية بالطبع .

تاسعاً : أن يكون دارسا لتاريخ الجزائر قبل وبعد الاستقلال ، خاصة وأن الشعب من حيث العقلية المتوارثة جيلاً بعد جيل ، ونكهة اللغة المخاطِب بها عربية عامية أو فصحى كانت ، أو أمازيغية قبائلية بنكهة لا تتكرر إلا في الجزائر طولا وغرضاً ، وتلك هوية أراد الميتعمر الفرنسي على امتداد قرن ونيف طمسها ولم يجد لذلك سبيلاً ، وقبل الفرنسيين حاول الأتراك ذلك ولم يتركوا غير ألقاب وأسماء أعظمها تبدَّدت من تلقاء نفسها ، وأخرى و إن عثرت على موقع قدم فقد اكتفت برسم للذكرى لا أقل ولا أكثر .

ثامناً : أن يكون مختلطا بصيغة المستقبل مع المجتمع الجزائري شمالا وجنوباً شرقا وغرباً ، مؤهلاً لذلك انطلاقاً من "كان" بصيغة الماضي مادامت المسافة بين الصيغتين تتواصل بمتابعة يومية يغوص الفكر أثناءها مع ما يجري على أرض الواقع لإنتاج إجابات على أسئلة ثلاث ، لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ . "ورغلة" ك"عنابه" ك"وهران" ك"تلمسان" ك"سيدي بلعباس" مدن جزائرية كعشرات أخريات المزروعة على خريطة الجزائر ، لكن لكل منها خاصية تميزها عن شقيقاتها بما يضفي جمالية كموقف أو معلمة ترمز لعبقرية ما ، تصارع الزمن لجدارة ما تمثله حقاً ، فظلت شاغلة حيِّزاً في موروث ثقافي شعبي داخل محيط نظيف من شوائب التقليد الأعمى المستورد من بلاد لا تعترف بالأصالة الأهلية المحلية ولا تحترم البداية .

سابعاً : أن يكون على توافق أكيد مع ضميره مادامت كتابة مبنية على أسس علمية تخص ركناً من أركان يحيا الإنسان معها مستكشفاً عالمه الخاص للدفاع عن ترسخه كأمانة حمَّله إياها عند النضج السلف الصالح مدونة في وثيقة لا يحصرها زمان ولا يضبطها تيار سياسي دون آخر ، منطلقة عبر الهواء المستنشق والشعور بالكرامة كأهم احتياط مصان ذاخل وجدان تربى صاحبه على قناعة ، أن الأمس كاليوم كالغد لا يساوي الفرد الجزائري فيه أية قيمة إن فرَّط في اختيار توجهت الجزائر بما فيها وما عليها ،الجزائؤية بتعاقب العصور والأحقاب لتضع نفسها في قالبه مهما طغت الحضارة المستوردة لقوة مصدرها وإشعاع انجازاتها العلمية الباهرة ، لتبقى العمامة الجزائرية المشهود برونقها وذاك "السلهام / البرنوص" الذي زاد الأمير عبد القادر الجزائري البطل هيبة على هيبة ، وهو يرتديه مندفعاً يخاطب الند للند أعتى قوة استعمارية آنذاك فرنسا ، أن للرجال الشرفاء الأحرار في الجزائر هدف أسمى إما المجد أو اللحد .

... ما تبقَّى من شروط لا تعتني إلا بالقدرة على التحاور إنطلاقاً من إدراك مُفَصَّلٍ بمعلومات صادقة عن مضمون عقليتين ، وما تنحصر فيهما بعيداً عن بعضهما البعض من خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها بالمطلق ، إن كان الوسيط الدبلوماسي (ومن الطرفين) عديم المعرفة المعمَّقة بما لديهما معاً .

... وصلتُ والخيوط الأولى لفجر يومٍ لن أنساه ما حييت ، رَحَّبَ بي من خلاله القدر، لأدخل في أمنٍ وسلام المدار الحضاري لمدينة "للا مغنية" ، وحتى أصل لأبعد نقطة عن الحدود فكَّرتُ في مواصلة صوب مدينة "سيدي بلعبَّاس"حيث وصلتُ لأستريح داخل بيت أحد الأصدقاء المُشيَّد فوق مسجد ، وبعد ثلاثة أيام كنت وسط العاصمة أسأل أجد المواطنين عن مقر الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، لم يكتفي ذاك المواطن الشهم بالأشارات المعهودة أتمم على ضوئها مسيري إ‘لى الموقع الهدف ، بل ألحَّ عليَّ أن يوصلني بسيارته حينما علم أنني مغربي غريب عن الديار . لم أكن أعرف أحداً بل تركتُ لحارس المؤسسة أن يرشِّحَ لي أحد المسؤولين لأتناقش معه عسى أن يكون لي نصيب في خملٍ يُجلِسني بذات العاصمة ، وما هي إلا لحظات حتى وجدتُ نفسي وجها لوجه مع الرجل الثاني من حيث النفوذ أمخوَّل به أن يلحقني بتلك المؤسسة الإعلامية العملاقة أو يقطع عليَّ الطريق ، يتعلق الأمر بالأستاذ "عبد القادر نور" الذي مدَّ لي ورقة بيضاء وقلم خبر أحمر طالباً مني أن أكتبَ خاطِرة أو أي شيء يبني بعد قراءته قراره في حق طلبي ن كانت لحظة رغم قصرها حسبتها طويلة مُقلقة ساد أثناءها صمت غريب ثم ... (يتبع)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان

في سيدني - أستراليا

212770222634

[email protected]

https://assafir-mm.blogspot.com
تمت طباعة الخبر في: السبت, 01-أغسطس-2026 الساعة: 05:45 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-109432.htm