صنعاء نيوز -
بقلم: حسن محمودي
كاتب ومحلل إيراني
لم تعد أزمة المعيشة في إيران مجرد شكوى يومية يرددها المواطنون في الأسواق، ولا تحليلًا اقتصاديًا يطرحه الخبراء من بعيد. الأرقام الأخيرة الصادرة في الداخل تكشف أن الشارع الإيراني يعيش انهيارًا متسارعًا في قدرته الشرائية، وأن ملايين الأسر باتت أمام خيارات قاسية بين الضروريات، لا بين الضروري والكمالي.
فبحسب البيانات الإحصائية الأخيرة، شهد شهر خرداد الإيراني، أي ما بين مايو ويونيو 2026، تراجعًا حادًا في عدد معاملات الشراء بالتجزئة بلغ 103 ملايين معاملة مقارنة بالشهر السابق. ولم يكن التراجع في عدد الصفقات وحده لافتًا، بل رافقه أيضًا اختفاء نحو 44 تريليون تومان من القيمة الإجمالية للمشتريات الاستهلاكية. هذه الأرقام ترسم صورة قاتمة لاقتصاد منزلي يترنح تحت ضغط التضخم المزمن، وتآكل الدخل الحقيقي، وغياب أي أفق واضح للاستقرار.
image.png
اللافت أن هذا النقاش لم يعد حبيس الغرف المغلقة أو تقارير الخبراء المستقلين، بل وصل إلى الصحف التابعة للنظام أو القريبة منه. فقد نشرت صحيفة "سياست روز" تقريرًا تحت عنوان "103 ملايين مشتريات مفقودة"، أكدت فيه أن هذا التراجع لا يمكن اعتباره تقلبًا إحصائيًا عابرًا أو نتيجة موسمية مؤقتة. واعتبرت الصحيفة أن انخفاض عدد عمليات الشراء بهذا الحجم خلال شهر واحد يعكس تغيرًا واضحًا في السلوك الاستهلاكي للمواطنين، وتراجعًا ملموسًا في القوة الشرائية للأسر نتيجة الأزمة المعيشية.
أهمية هذا الاعتراف لا تكمن في الرقم وحده، بل في توقيته أيضًا. فالانكماش الحاد جاء في مرحلة شهدت هدوءًا نسبيًا في التوترات الإقليمية، وهي ظروف كان يفترض أن تمنح الأسواق شيئًا من الثقة وتدفعها نحو استعادة أنفاسها. لكن ما حدث كان العكس تمامًا، الأمر الذي يؤكد أن الأزمة ليست نتاج مخاوف أمنية عابرة، بل أزمة بنيوية متجذرة في طبيعة إدارة الاقتصاد الإيراني.
إن الانخفاض الكبير في عمليات الشراء عبر البطاقات المصرفية ونقاط البيع يعكس تحولًا عميقًا في سلوك المستهلك الإيراني. فمع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وبقاء الأجور عاجزة عن اللحاق بالأسعار، لم تعد الأسر تكتفي بإلغاء النفقات غير الضرورية أو الترفيهية، بل باتت تتعامل بحذر حتى مع المشتريات اليومية والأساسية. وهنا تتحول سياسة التقشف من خيار إلى إجبار.
هذا السلوك لا يعبر فقط عن ضعف القدرة المالية، بل يكشف أيضًا عن حالة عميقة من عدم اليقين. المواطن لا يعرف إلى أين سيصل التضخم، ولا يثق باستقرار دخله، ولا يشعر بأمان وظيفي أو اقتصادي. لذلك باتت الأولوية الأولى لكثير من العائلات هي الحفاظ على الحد الأدنى من البقاء المالي، لا ممارسة الاستهلاك الطبيعي الذي تحتاجه أي دورة اقتصادية سليمة.
وتتجاوز آثار هذا الانكماش حدود المتاجر الصغيرة والأسواق المحلية. فالاستهلاك الأسري هو أحد المحركات الأساسية لأي اقتصاد. وعندما يغلق المستهلك محفظته أو يؤجل الشراء، فإن التداعيات تمتد إلى تجار الجملة، والموزعين، والمصانع، وشركات الإنتاج، وقطاع النقل والخدمات، ثم إلى سوق العمل. كل صفقة شراء مفقودة تعني دخلًا أقل في مكان ما، وإنتاجًا أقل في مكان آخر، وفرصة عمل مهددة في نهاية السلسلة.
لذلك فإن تراجع الطلب الاستهلاكي لفترة طويلة لا يعني فقط ركودًا في الأسواق، بل يفتح الباب أمام حلقة مفرغة: انخفاض في المبيعات، تراجع في الإنتاج، ضعف في الاستثمار، ارتفاع في البطالة، ثم مزيد من الانكماش في القدرة الشرائية. وهكذا يتحول الركود من نتيجة للأزمة إلى عامل يعمقها ويطيل عمرها.
في مثل هذه الظروف، تصبح القوة الشرائية للأسر أكثر صدقًا من كثير من المؤشرات الرسمية التي يحاول النظام الترويج لها. فقد تتحدث السلطات عن أرقام نمو أو صادرات أو مشاريع، لكن الأسواق الخالية، وتراجع عدد المتسوقين، وانخفاض الصفقات اليومية، تقدم صورة أوضح عن الواقع الذي يعيشه المواطن العادي. فالاقتصاد لا يُقاس فقط بما تعلنه الحكومة، بل بما يستطيع الناس شراءه في نهاية الشهر.
إن أزمة الـ103 ملايين صفقة مفقودة ليست رقمًا تقنيًا في تقرير مالي، بل مؤشر اجتماعي وسياسي في آن واحد. فهي تقول إن الطبقة المتوسطة تتآكل، وأن الفئات الفقيرة تُدفع أكثر نحو الهامش، وأن الهوة بين خطاب السلطة وحياة الناس اليومية تتسع بسرعة. وحين يعجز المواطن عن شراء احتياجاته الأساسية، لا تبقى الأزمة اقتصادية فقط، بل تتحول إلى غضب اجتماعي مكتوم قابل للانفجار.
النظام الإيراني يحاول دائمًا إرجاع أزماته إلى العقوبات أو الظروف الخارجية، لكن هذه الأرقام تكشف جانبًا آخر من الحقيقة. فالمشكلة لا تكمن في نقص الموارد وحده، بل في منظومة حكم أهدرت ثروات البلاد على القمع، والمشاريع الأمنية، والتدخلات الخارجية، بدل أن توجهها إلى حماية معيشة الناس واستقرار الاقتصاد. ومن هنا، فإن تآكل القدرة الشرائية ليس مجرد نتيجة اقتصادية، بل مرآة لفشل سياسي أعمق.
في المحصلة، تكشف الصفقات المفقودة عن تباطؤ خطير في حركة الاقتصاد الحقيقي داخل إيران، وعن أزمة معيشية لم تعد قابلة للتجميل أو الإنكار. فما يختفي من الأسواق اليوم ليس فقط 103 ملايين عملية شراء، بل قدر كبير من ثقة المواطن بمستقبله، وبقدرة هذا النظام على إدارة أبسط شروط الحياة.
|