صنعاء نيوز - في الثاني من أغسطس آب عام 1990 اجتاحت القوات العراقية دولة الكويت في عملية عسكرية مفاجئة شكّلت نقطة تحول كبرى في تاريخ

الجمعة, 07-أغسطس-2026
صنعاء نيوز/ ايهاب مقبل -
إيهاب مقبل

في الثاني من أغسطس آب عام 1990 اجتاحت القوات العراقية دولة الكويت في عملية عسكرية مفاجئة شكّلت نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة العربية. فقد أدى الغزو إلى احتلال الكويت لمدة سبعة أشهر، وإلى اندلاع أزمة دولية غير مسبوقة انتهت بتشكيل تحالف عسكري واسع بقيادة أمريكا الشمالية، شن عملية عسكرية أُطلق عليها اسم "عاصفة الصحراء" عام 1991، وأسفرت عن إخراج القوات العراقية من الكويت.

ولم تقتصر نتائج الحرب على إخراج القوات العراقية من الكويت، بل امتدت آثارها العميقة إلى داخل العراق نفسه. فقد تعرضت القدرات العسكرية العراقية لضربات واسعة أضعفت جزءًا كبيرًا من بنيتها، كما تعرضت قطاعات مهمة من البنية التحتية، بما فيها مرافق الطاقة والنقل والاتصالات، إلى أضرار كبيرة نتيجة العمليات العسكرية والقصف الجوي للتحالف الدولي. وأدت هذه الخسائر إلى تراجع اقتصادي وعسكري واسع، ترك آثارًا ممتدة على العراق والمنطقة لسنوات طويلة وما زالت تداعياتها حاضرة حتى اليوم.

ومنذ وقوع الغزو بقي سؤال أساسي محل بحث تاريخي: من الذي اتخذ قرار غزو الكويت؟ وهل كان القرار قرارًا جماعيًا داخل القيادة العراقية، أم أنه كان قرارًا صادرًا عن دائرة ضيقة حول الرئيس العراقي صدام حسين؟

تشير غالبية الدراسات التاريخية وشهادات عدد من المسؤولين العراقيين السابقين إلى أن القرار النهائي كان قرار صدام حسين، وأنه اتُخذ داخل دائرة محدودة جدًا من المقربين، في ظل نظام سياسي شديد المركزية كانت فيه القرارات الكبرى، خصوصًا المتعلقة بالحرب والأمن، مرتبطة مباشرة بإرادة الرئيس.

صدام حسين المجيد: صاحب القرار الأعلى
كان صدام حسين، منذ توليه رئاسة العراق عام 1979، قد بنى نظامًا يقوم على تركيز السلطة في يده، مع الاعتماد على شبكة من الأقارب والمقربين لضمان السيطرة على مؤسسات الدولة الحساسة. ولم تكن القرارات العسكرية الكبرى تُتخذ عبر مؤسسات مستقلة، بل كانت تمر عبر القيادة السياسية العليا التي كان صدام حسين يتربع على رأسها.

وفي حالة غزو الكويت، تشير شهادات مسؤولين عراقيين سابقين إلى أن القرار لم يكن قرارًا صادرًا عن وزارة الدفاع أو قيادة الجيش، ولم يكن نتيجة نقاش مؤسسي واسع داخل الدولة العراقية. بل اتُخذ داخل الدائرة الضيقة المحيطة بصدام حسين، ثم صدرت الأوامر العسكرية للتنفيذ.

وقد أكد عدد من كبار المسؤولين والقادة العراقيين لاحقًا أنهم لم يكونوا جزءًا من دائرة اتخاذ القرار السياسي الخاص بغزو الكويت. فقد ذكر الفريق أول الركن نزار الخزرجي، رئيس أركان الجيش العراقي آنذاك، في مذكراته وشهاداته اللاحقة، أن قرار الغزو لم يُعرض على القيادة العسكرية باعتبارها جهة مشاركة في صناعة القرار السياسي، وأنه علم بالعملية في مرحلة متأخرة مع بدء تنفيذها، وليس باعتبارها قرارًا عسكريًا اتخذته قيادة الجيش.

وأشار الخزرجي كذلك إلى أن الفريق أول الركن عبد الجبار شنشل، وزير الدفاع العراقي الأسبق، لم يكن على علم مسبق بقرار الغزو، وأن القرار لم يصدر من وزارة الدفاع أو من المؤسسة العسكرية، بل جاء من القيادة السياسية العليا للنظام.

كما تشير شهادات عدد من كبار الضباط العراقيين، ومن بينهم الفريق الركن رعد مجيد الحمداني، الذي شارك في عمليات غزو الكويت وكان أحد ضباط الحرس الجمهوري، إلى أن قرار الغزو كان قرارًا سياسيًا اتُخذ على مستوى القيادة العليا للنظام، ولم يكن نتيجة تقييم عسكري شامل أو نقاش مهني داخل هيئة الأركان. فقد وجدت المؤسسة العسكرية نفسها أمام قرار استراتيجي اتخذ خارج إطارها، ثم كُلّفت بتنفيذه على الأرض.

وتكشف هذه الشهادات طبيعة بنية السلطة في العراق آنذاك، حيث كانت القرارات الاستراتيجية الكبرى تُحسم داخل الدائرة الضيقة المحيطة بصدام حسين، بينما كانت القوات المسلحة تتولى مسؤولية تنفيذ الأوامر بعد صدورها. وقد أدى هذا النمط من اتخاذ القرار إلى دخول الجيش العراقي في مواجهة مع تحالف دولي واسع ضم عشرات الدول، في واحدة من أكبر العمليات العسكرية في التاريخ الحديث.

حسين كامل حسن المجيد: صهر صدام وأحد أبرز رجال المنظومة العسكرية
كان حسين كامل حسن المجيد من أكثر الشخصيات قربًا من صدام حسين، فهو ابن عمه وصهره بعد زواجه من رغد صدام حسين، ابنة الرئيس العراقي. وقد جعله هذا القرب العائلي والسياسي أحد أفراد الدائرة الضيقة التي اعتمد عليها صدام في إدارة الملفات العسكرية والأمنية الحساسة، حيث جمع النظام بين الولاء الشخصي والروابط العائلية في اختيار عدد من المسؤولين في المواقع المهمة.

وخلال فترة غزو الكويت عام 1990، كان حسين كامل مرتبطًا بالحرس الجمهوري، القوة الضاربة للنظام العراقي والأكثر ولاءً وتسليحًا بين تشكيلات الجيش، وكان له دور إشرافي ضمن المنظومة العسكرية التي اعتمد عليها صدام حسين في تنفيذ عملياته. وقد لعب الحرس الجمهوري الدور الرئيسي في اجتياح الكويت، إذ كان في مقدمة القوات العراقية التي نفذت الهجوم وسيطرت على البلاد.

ولم يكن حسين كامل صاحب القرار السياسي في غزو الكويت، لكنه كان من الشخصيات الأساسية داخل الحلقة المقربة من صدام حسين التي دعمت توجهات القيادة وساهمت في تنفيذها. ويشير الفريق أول الركن نزار الخزرجي، رئيس أركان الجيش العراقي الأسبق، في شهاداته اللاحقة، إلى أن حسين كامل كان من أبرز رجال النظام الذين دعموا احتلال الكويت، كما يذكر أن حسين كامل اقترح عليه لاحقًا، بعد الغزو، التوجه نحو الاستيلاء على مناطق نفطية داخل الأراضي السعودية، وهي رواية تعكس طبيعة التفكير التوسعي داخل بعض أجنحة النظام في تلك المرحلة.

ولم يظهر اعتراض حسين كامل على قرار غزو الكويت أثناء وجوده داخل النظام، بل استمر في موقعه القيادي بعد الغزو وأصبح من أبرز المسؤولين عن الملفات العسكرية الحساسة، ولا سيما منظومة التصنيع العسكري. ولم تبدأ خلافاته مع صدام حسين إلا لاحقًا، بعد فراره إلى الأردن عام 1995، حيث تحول بعد ذلك إلى منتقد للنظام الذي كان جزءًا أساسيًا من بنيته القيادية لسنوات طويلة.

علي حسن المجيد: ابن العم والحاكم العسكري للكويت
كان علي حسن المجيد من أقرب الشخصيات إلى صدام حسين، فهو ابن عمه ومن أكثر الشخصيات ولاءً له داخل النظام العراقي. وقد كان قربه العائلي والشخصي من صدام عاملًا أساسيًا في صعوده داخل النظام وتوليه مناصب أمنية وعسكرية بالغة الأهمية، حيث أصبح أحد أبرز رجال الدائرة الضيقة التي اعتمد عليها الرئيس العراقي في إدارة الملفات الحساسة.

اشتهر علي حسن المجيد بلقب "علي الكيماوي" بسبب دوره في حملات القمع ضد الأكراد خلال فترة الثمانينيات، ثم أصبح أحد أبرز رجال النظام الذين اعتمد عليهم صدام حسين في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية والمناطق التي كانت تخضع لسيطرة بغداد.

ولم يكن علي حسن المجيد من المعارضين لقرار صدام حسين بغزو الكويت، بل كان جزءًا من الدائرة المقربة من القيادة العراقية التي دعمت توجهات النظام وساهمت في تنفيذ سياساته، وهو ما أشار إليه الفريق أول الركن نزار الخزرجي في شهاداته عند حديثه عن شخصيات النظام ومواقفها من قرار الغزو. وبعد الغزو تولى علي حسن المجيد منصب الحاكم العسكري للكويت المحتلة، وأصبح مسؤولًا عن إدارة شؤون الاحتلال وتنفيذ قرارات القيادة العراقية داخل الكويت.

وترتبط بعلي حسن المجيد مسؤولية كبيرة عن الإجراءات القمعية التي صاحبت فترة الاحتلال، وعن إدارة مرحلة شهدت عمليات استيلاء واسعة على ممتلكات الدولة الكويتية ومؤسساتها. وقد جعل منه موقعه في الكويت أحد أبرز الوجوه المرتبطة بإدارة الاحتلال العراقي.

وظهرت لاحقًا روايات صحفية، من بينها محضر اجتماع مسرب نُشر في التسعينيات، نُسب فيه إلى صدام حسين انتقاد علي حسن المجيد بسبب دوره في أحداث الكويت والاستيلاء على ممتلكات منها. إلا أن هذه الرواية بقيت ضمن إطار الوثائق المسربة والتقارير الصحفية، ولم تُعامل بوصفها وثيقة رسمية حاسمة، رغم أنها أثارت اهتمام الباحثين عند دراسة العلاقة بين صدام حسين وأفراد دائرته المقربة.

سبعاوي إبراهيم الحسن: رجل الأمن والمخابرات
كان سبعاوي إبراهيم الحسن الأخ غير الشقيق لصدام حسين، وتولى رئاسة جهاز المخابرات العراقية، وهو أحد أكثر الأجهزة حساسية داخل النظام. وقد كان من الشخصيات التي اعتمد عليها صدام حسين في إدارة الملفات الأمنية، وجمع المعلومات، ومراقبة الخصوم داخل العراق وخارجه، إضافة إلى حماية بنية النظام من أي معارضة داخلية.

وبحكم قربه العائلي والسياسي من صدام حسين، كان سبعاوي إبراهيم جزءًا من الدائرة الضيقة التي أحاطت بالرئيس العراقي، ولم يكن من الشخصيات المعارضة لقرار غزو الكويت، بل كان ضمن منظومة السلطة التي دعمت توجهات القيادة العراقية في تلك المرحلة. وقد ارتبط دوره بتوفير الجانب الأمني والاستخباراتي الذي خدم سياسات النظام، سواء قبل الغزو أو خلال فترة الاحتلال.

ورغم أن دوره الأساسي لم يكن قيادة العمليات العسكرية أو اتخاذ القرار السياسي النهائي بشأن غزو الكويت، فإن موقعه على رأس جهاز المخابرات جعله أحد المسؤولين المرتبطين بالمنظومة التي نفذت قرار القيادة العليا. فقد بقي القرار الاستراتيجي بيد صدام حسين، بينما تولت الأجهزة الأمنية والعسكرية تنفيذ المهام الموكلة إليها بعد صدور القرار.

صعود دائرة الأقارب والمقربين على حساب المؤسسة العسكرية
ومن اللافت أن عددًا من أبرز الشخصيات التي كانت ضمن الدائرة الضيقة المحيطة بصدام حسين في مرحلة غزو الكويت لم تكن من خريجي الكليات العسكرية أو أبناء المؤسسة العسكرية العراقية المهنية. فلم يكن صدام حسين خريج كلية عسكرية، بخلاف الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر الذي جاء من خلفية عسكرية. كما أن شخصيات مثل حسين كامل حسن المجيد، وعلي حسن المجيد، وسبعاوي إبراهيم الحسن، لم تأتِ من المسار العسكري التقليدي داخل الجيش العراقي، بل ارتبط صعودها بصورة أساسية بقربها العائلي والسياسي من صدام حسين وثقته الشخصية بها.

وقد أدى اعتماد صدام حسين على دائرة ضيقة من الأقارب والمقربين إلى انتقال مركز القرار الاستراتيجي بعيدًا عن الأطر العسكرية المهنية، بحيث كانت القرارات الكبرى تُحسم داخل القيادة السياسية العليا، بينما تولت المؤسسة العسكرية تنفيذ الأوامر بعد صدورها، رغم وجود قيادات عسكرية محترفة في مواقع القيادة داخل الجيش العراقي.

وقد انعكس هذا الأسلوب في إدارة القرار على طريقة إدارة الحرب نفسها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك عدم وجود خطة انسحاب واضحة للقوات العراقية من الكويت قبل بدء العمليات العسكرية، رغم صدور قرار مجلس الأمن رقم 678 في 29 نوفمبر تشرين الثاني 1990، الذي منح العراق مهلة نهائية حتى 15 يناير كانون الثاني 1991 للانسحاب الكامل من الكويت، وأجاز استخدام "جميع الوسائل اللازمة" في حال عدم تنفيذ القرار. وأدى رفض القيادة العراقية الانسحاب إلى دخول الجيش العراقي في مواجهة غير متكافئة مع تحالف دولي واسع امتلك تفوقًا كبيرًا في القوة الجوية والتكنولوجيا العسكرية.

وقد أسفرت الحرب عن خسائر بشرية ومادية ضخمة في صفوف الجيش العراقي؛ إذ تشير تقديرات مختلفة إلى مقتل وإصابة وأسر نحو 250 ألف جندي عراقي خلال حرب الخليج، نتيجة العمليات الجوية والبرية التي شنها التحالف الدولي والتفوق العسكري الكبير الذي امتلكه. وعلى المستوى المادي، تشير تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية وعدد من الدراسات العسكرية الغربية إلى أن العراق فقد خلال الحرب ما يقارب 3000 إلى 3700 دبابة، إضافة إلى أكثر من 2000 عربة مدرعة وناقلة جنود، ونحو 2000 قطعة مدفعية.

كما تعرض سلاح الجو العراقي لخسائر كبيرة نتيجة الحملة الجوية للتحالف، حيث دُمرت أو خرجت أعداد كبيرة من الطائرات العسكرية من الخدمة، في حين لجأت أكثر من 130 طائرة عراقية إلى إيران خلال الحرب هربًا من القصف، وبقيت هناك بعد انتهاء العمليات. وشكلت هذه الخسائر واحدة من أكبر الضربات التي تعرضت لها القدرات العسكرية العراقية في العصر الحديث.

دوافع غزو الكويت: الأزمة المالية بعد الحرب العراقية الإيرانية
خرج العراق من الحرب العراقية الإيرانية عام 1988 منهكًا اقتصاديًا، مع ديون ضخمة لدول عدة، ومن بينها دول خليجية. وطالبت بغداد بعض هذه الدول، ومنها الكويت، بإلغاء الديون أو اعتبارها دعمًا للعراق خلال حربه مع إيران.

لكن الخلافات المالية تصاعدت، واعتبرت القيادة العراقية أن الكويت لا تستجيب لمطالبها، مما ساهم في زيادة التوتر بين البلدين.

الخلاف النفطي
كان النفط عاملًا رئيسيًا في الأزمة. فقد اتهم العراق الكويت بزيادة إنتاجها النفطي بما يؤدي إلى انخفاض الأسعار العالمية وتقليل عائدات بغداد، التي كانت تعتمد بشدة على صادرات النفط.

كما اتهم العراق الكويت باستخدام أساليب استخراج من حقل الرميلة النفطي الحدودي اعتبرتها بغداد تجاوزًا على حقوقها، واستخدم النظام العراقي هذه القضية ضمن مبرراته السياسية للتصعيد.

الطموح الإقليمي
إلى جانب العوامل الاقتصادية، كان هناك طموح سياسي لدى صدام حسين لتعزيز مكانته كقوة إقليمية كبرى في منطقة الخليج بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية. فقد رأى أن امتلاك العراق جيشًا ضخمًا وخبرة عسكرية واسعة بعد سنوات الحرب مع إيران منحه فرصة لترسيخ دوره كزعيم إقليمي مؤثر، وأن السيطرة على الكويت ستمنح العراق موارد نفطية هائلة وموقعًا استراتيجيًا مهمًا في المنطقة.

وقد دفع هذا التصور صدام حسين إلى تبني سياسات أكثر صدامية تجاه دول الخليج، وفي مقدمتها الكويت، التي أصبحت محورًا للخلافات السياسية والاقتصادية بين بغداد ودول المنطقة. ومن ثم لم يكن الغزو مرتبطًا بالعوامل الاقتصادية فقط، بل ارتبط أيضًا برؤية سياسية هدفت إلى توسيع نفوذ صدام حسين وتعزيز مكانته الإقليمية بعد انتهاء الحرب مع إيران.

عمليات النهب والسلب أثناء الاحتلال: بين النهب المنظم والنهب الفردي
خلال فترة الاحتلال العراقي للكويت وقعت عمليات واسعة من الاستيلاء على الممتلكات. ولم تكن هذه العمليات مجرد أعمال فردية ارتكبها بعض الجنود، بل شملت أيضًا عمليات منظمة استهدفت ممتلكات الدولة الكويتية ومؤسساتها، ونُقلت خلالها معدات ومواد من منشآت صناعية، ومركبات حكومية، وأجهزة ومعدات من مؤسسات مختلفة، إضافة إلى وثائق وأرشيفات وممتلكات عامة.

وقد حمّلت الأمم المتحدة النظام العراقي، باعتباره سلطة الاحتلال، مسؤولية الانتهاكات التي وقعت خلال فترة احتلال الكويت، بما في ذلك الأضرار التي لحقت بالممتلكات العامة والخاصة.

وفي الوقت نفسه، وقعت أعمال نهب فردية قام بها بعض العسكريين أو الأفراد، شملت الاستيلاء على ممتلكات من المنازل والمحلات التجارية وغيرها من المواقع المدنية. وقد أصبحت هذه المشاهد من أكثر صور الاحتلال قسوة في ذاكرة الكويتيين، لما عكسته من انهيار للضوابط الأخلاقية والإنسانية خلال ظروف الحرب، وانتهاك واضح لحقوق المدنيين وممتلكاتهم أثناء فترة الاحتلال.

وتشير شهادات عدد من كبار الضباط العراقيين إلى حجم الصدمة التي خلفتها تلك المشاهد حتى داخل المؤسسة العسكرية العراقية نفسها. فقد ذكر الفريق أول الركن نزار الخزرجي في شهاداته أنه طلب التوجه إلى الكويت عبر الطائرة بدلًا من الطريق البري لتجنب رؤية مشاهد الفوضى والنهب التي أعقبت دخول القوات العراقية. كما تحدث الفريق الركن رعد مجيد الحمداني عن شعوره بالحرج من تلك الأحداث، مشيرًا إلى أنه كان يتجنب النظر في أعين الكويتيين، وأنه طلب نقله إلى منطقة الصحراء الكويتية بعيدًا عن المدن.

وبقيت مشاهد النهب والسلب خلال احتلال الكويت من أكثر الأحداث التي أثرت في الذاكرة الجماعية للعراقيين والكويتيين على حد سواء. كما أعادت هذه الظاهرة الظهور بصورة مختلفة خلال مرحلة سقوط الدولة العراقية عام 2003، عندما شهد العراق موجات واسعة من الفوضى والنهب في أعقاب انهيار مؤسسات الدولة. وقد أعادت تلك الأحداث النقاش حول أثر الحروب والانهيار المؤسسي والأخلاقي في إضعاف الضوابط والقيم الاجتماعية، وكيف يمكن لظروف الفوضى والصراعات الطويلة أن تفتح المجال أمام انتشار ممارسات دخيلة على منظومة القيم والأعراف العربية التي كانت سائدة في المجتمع.

من يتحمل مسؤولية نهب ممتلكات الكويتيين؟
ارتبط اسم عدي صدام حسين، الابن الأكبر لصدام حسين، بعدد كبير من الاتهامات المتعلقة بالفساد واستغلال النفوذ داخل العراق، كما ظهرت بحقه اتهامات مرتبطة بسلوك بعض أفراد الحماية التابعة له خلال فترة احتلال الكويت.

وقد أشار الفريق أول الركن نزار الخزرجي في شهاداته إلى أنه شاهد سيارات تابعة لحماية عدي صدام حسين في الكويت في سياق أحداث مرتبطة بالاستيلاء على الممتلكات، وهو ما اعتبره مؤشرًا على تورط بعض المقربين من عدي في ممارسات النهب. إلا أن هذه الشهادة، رغم أهميتها، لا تثبت وحدها أن عدي كان صاحب قرار أو قائدًا لعمليات النهب المنظمة.

وفي المقابل، يتحمل علي حسن المجيد مسؤولية أكبر بحكم موقعه الرسمي بعد الغزو، إذ تولى منصب الحاكم العسكري للكويت المحتلة، وكان مسؤولًا عن إدارة شؤون الاحتلال وتنفيذ سياسات القيادة العراقية داخل الكويت. ولذلك ارتبط اسمه بصورة مباشرة بإدارة مرحلة الاحتلال وما رافقها من إجراءات أمنية وقمعية وعمليات استيلاء على الممتلكات الحكومية والمدنية.

وبذلك يمكن التمييز بين مسؤولية القيادة الرسمية للاحتلال، التي تمثلت في علي حسن المجيد بصفته الحاكم العسكري، وبين الاتهامات المتعلقة ببعض أفراد الدائرة المقربة من صدام حسين، مثل عدي، والتي ارتبطت بسلوكيات واستغلال نفوذ أكثر من كونها قرارًا رسميًا لإدارة عمليات النهب.

الخلاصة
كان غزو الكويت عام 1990 قرارًا اتخذته القيادة العليا للنظام العراقي بقيادة صدام حسين، داخل دائرة ضيقة جدًا من المقربين، ولم يكن قرارًا صادرًا عن المؤسسة العسكرية أو الحكومة العراقية بوصفها جهات مستقلة لصنع القرار.

أما الشخصيات المحيطة بصدام حسين، مثل حسين كامل حسن المجيد، وعلي حسن المجيد، وسبعاوي إبراهيم التكريتي، فقد كانت جزءًا من دائرة السلطة والثقة التي اعتمد عليها النظام. وقد لعب كل منهم دورًا مهمًا في موقعه، سواء في المجال العسكري أو الأمني أو إدارة مرحلة الاحتلال، إلا أنهم لم يكونوا أصحاب القرار النهائي في شن الحرب، بل كانوا ضمن المنظومة المقربة من صدام حسين التي دعمت توجهاته وأيدت قرار الغزو، ثم ساهمت في تنفيذ سياسات القيادة العليا للنظام. ولم تُعرف عن هذه الشخصيات، وفق ما توفر من شهادات ووثائق لاحقة، معارضة علنية أو موقف رافض لقرار الغزو داخل دائرة صنع القرار، أو تقديم نصيحة تحول دون الإقدام عليه.

كما أن طبيعة النظام العراقي آنذاك، القائمة على تركيز السلطة والاعتماد على الأقارب والمقربين، جعلت دائرة الحكم الداخلية تعتمد بدرجة كبيرة على الولاء الشخصي والثقة السياسية، أكثر من اعتمادها على المؤسسات المهنية المستقلة. وانعكس ذلك على طريقة إدارة الحرب ومرحلة الاحتلال، بما رافقها من انتهاكات وعمليات استيلاء على الممتلكات وأحداث بقيت حاضرة في ذاكرة المنطقة.

وبذلك فإن غزو الكويت لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان قرارًا سياسيًا استراتيجيًا اتخذ في قمة هرم السلطة العراقية، ثم جرى تنفيذه عبر مؤسسات الدولة والأشخاص الذين كانوا جزءًا من تلك المنظومة.

مقطع أرشيفي: صدام حسين ودائرته المقربة في الكويت بعد الغزو
يُظهر هذا المقطع الأرشيفي صدام حسين برفقة عدد من أبرز الشخصيات المقربة منه، من بينهم علي حسن المجيد، وسبعاوي إبراهيم الحسن، وحسين كامل حسن المجيد، في الكويت في 15 يناير كانون الثاني عام 1991. ويأتي عرض هذا المشهد في سياق توضيح طبيعة الدائرة الضيقة التي أحاطت بصدام حسين خلال مرحلة الغزو والاحتلال، والتي ضمت شخصيات تولت أدوارًا عسكرية وأمنية وإدارية مهمة داخل النظام العراقي.

ولا يمثل ظهور هذه الشخصيات في المقطع وحده دليلًا على مسؤولية مباشرة عن جميع القرارات أو الأحداث التي وقعت أثناء الاحتلال، لكنه يعكس قربها من مركز السلطة وارتباطها بالقيادة العراقية العليا خلال تلك المرحلة.

https://www.youtube.com/shorts/XPYuxV7lsEg

https://www.youtube.com/watch?v=wWGMIl71a14

انتهى
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 07-أغسطس-2026 الساعة: 05:38 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-109535.htm