صنعاء نيوز / بقلم د غسان شحرور -
في الحادي والعشرين من آب/أغسطس 2018، رحل الأديب العربي الكبير حنّا مينه عن أربعةٍ وتسعين عاماً. يومها كتبتُ مقالاً في وداعه، نشرته في حينه، محاولةً أن أحيط بشيءٍ من أثره في وجداننا العربي.
واليوم، بعد سنواتٍ من ذلك الرحيل، أعود إلى ذلك المقال لا لأكرّر ما قلت، بل لأجدّد الذكرى، وأجدّد الاعتذار، وأجدّد الوفاء لرجلٍ أراد أن يغادر بصمت، بينما بقي صوته أعلى من الصمت.
لقد فاجأتني وصيّته يومها، كما تفاجئني الآن كلما قرأتها: ألا يُذاع خبر موته، وألا يُشيَّع بجنازات رسمية، وألا تُلقى كلمات تأبين. أراد أن يرحل كما عاش: بسيطاً، بلا ضجيج، بلا احتفال، وبلا مظاهر تُثقِل على روحه التي لم تحبّ الأضواء يوماً.
لكن وصيّته، على جمالها وصدقها، لا تمنعنا من أن نقول له ما لم نُحسن قوله في حياته.
عذراً يا حنّا مينه…
عذراً لأننا نعود إلى ذكراك اليوم، رغم رغبتك في الصمت.
عذراً لأننا نكتب عنك من جديد، رغم أنك طلبت أن تُطوى صفحتك بلا تأبين.
عذراً لأننا لم نعرفك كما يجب، ولم نحتفِ بك كما يليق بمن حمل وجع الناس على كتفيه، وكتب لهم، وعنهم، وباسمهم، عشرات الأعمال التي لا تزال تنبض بالحياة.
ولعلّ أكثر ما يجعل هذا الاعتذار شخصياً، تلك اللحظة التي التقيتُك فيها في المكتبة الوطنية بدمشق أثناء توقيع أحد كتبك.
كنتَ محاطاً بالقرّاء، لكنك كنت قريباً من كلّ واحدٍ منهم. صافحتني يومها بابتسامةٍ هادئة، وقلت جملةً قصيرة لا تزال عالقةً في الذاكرة، جملة تكفي لتدلّ على تواضعك وعمقك.
ذلك اللقاء العابر، الذي لم يدم سوى دقائق، كان كافياً ليجعل حضورك في الذاكرة حضوراً حيّاً، لا مجرد حضورٍ أدبي.
عذراً… يشاركني البحر هذا الاعتذار.
ذلك البحر الذي كان معلّمك الأول، ورفيقك الأبدي، ومصدر الإلهام الذي ظلّ يبلّل صفحاتك بموجٍ لا يهدأ. البحر في أعمالك لم يكن خلفية سردية، بل كائناً حيّاً يتنفس مع أبطالك، ويثور معهم، ويهدأ حين يهدأون.
عذراً… تشاركني غوطة دمشق، التي ربطتك بها وصلةٌ خفيّة من الياسمين، وظلّت في كتاباتك نافذةً على طفولةٍ لم تغادرها.
عذراً… يشاركني جبل قاسيون، الحارس الذي أعلنتَ أنك مؤتمنٌ عليه.
عذراً… يشاركني بردى، النهر الذي أغرمتَ به، وكتبت عنه كما يكتب العاشق عن معشوقته الأولى.
عذراً… تشاركني أعمالك التي صنعت جزءاً من وجدان جيلٍ كامل:
المصابيح الزرق،
الشراع والعاصفة،
الأبنوسة البيضاء،
وغيرها من الأعمال التي جعلت البحر والمدينة والناس أبطالاً في حدّ ذاتهم.
وتشاركني نساؤك الكثيرات، من المرأة التي “تجهل أنها امرأة”، إلى صاحبة “الثوب الأسود”، و”صراع امرأتين”، وعروس الموجة السوداء، والنار بين الأصابع، والمرأة الدجاجة. نساءٌ كنّ مرايا للواقع، لا زينةً للخيال.
عذراً… نقولها كما قلناها للأديب الكبير عبد السلام العجيلي، ابن الرقة البار، الذي أوصى بجنازةٍ بسيطة بلا تأبين ولا مظاهر رسمية.
كلاكما اختار الصمت، لكن المجتمع الحي لا يملك رفاهية الصمت أمام رموزه.
نعم، عذراً…
فما أقسى أن نجهل أعلامنا أو نتجاهلهم، مهما اختلفنا معهم. الاعتراف بفضلهم حقٌّ لهم، وواجبٌ علينا. وزهدهم في مظاهر التأبين لا يعفي المجتمع من تكريمهم، ولا يعفي المثقفين من الاحتفاء بسيرتهم، ولا يعفي الأجيال من معرفة من حملوا عنهم جزءاً من معنى الإنسان.
إن تجديد ذكرى رحيلك اليوم ليس مخالفةً لوصيتك، بل وفاءٌ لرسالتك. نحن لا نستعيدك لنقيم لك تأبيناً لم تطلبه، بل لنحفظ ما تركته لنا من ذاكرةٍ وصوتٍ وتجربةٍ إنسانية.
ولعلّ هذا هو الاعتذار الذي تأخرنا في قوله: أن نعرف أعلامنا وهم بيننا، وأن نقرأهم لا بعد أن يغادروا، وأن ندرك أن الصمت الذي اختاروه في رحيلهم لا ينبغي أن يتحوّل إلى صمتٍ في ذاكرتنا.
رحلتَ بصمت يا حنّا مينه، كما أردت.
أما ما تركته لنا، فلا يملك الصمت أن يأخذه.
فالذين صافحوا الذاكرة لا يرحلون منها. |