صنعاء نيوز/ ايهاب مقبل - إيهاب مقبل
في جنوب غرب السويد، داخل مقاطعة هالاند، تقع قرية إسكهولت (Äskhult)، وهي واحدة من أكثر القرى التاريخية تميزًا في البلاد. تقع القرية على قمة مرتفع تغطيه الغابات، على مسافة تقارب عشرين كيلومترًا من مدينة كونغسباكا، وتبلغ مساحتها نحو 135 هكتارًا، أي ما يعادل نحو 1.35 كيلومتر مربع.
وعلى الرغم من أن الحياة الحديثة وصلت إلى مختلف أنحاء السويد، فإن إسكهولت لا تزال تحتفظ بمشهد ريفي يمنح الزائر إحساسًا قويًا بالعودة إلى الماضي. فالقرية تضم منازل خشبية قديمة وحظائر ومزارع وأراضي زراعية، إلى جانب حيوانات ريفية ومسارات للمشي، في مشهد يحاكي طبيعة الحياة التي كانت سائدة في الريف السويدي قبل انتشار مظاهر الحداثة.
تعود المباني الموجودة أساسًا إلى الفترة الممتدة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، والقرية اليوم محمية ثقافية تاريخية تهدف إلى الحفاظ على البيئة الريفية التقليدية وتعريف الزوار بتاريخها.
اسم القرية.. حكاية من أشجار الدردار
يحمل اسم إسكهولت (Äskhult) حكاية مرتبطة بالطبيعة التي أحاطت بالقرية منذ قرون. فبحسب المصادر التاريخية، يتكون الاسم من كلمتين من أصل دنماركي؛ «إسك ESK»، وتعني شجرة الدردار، و«هولت Hult»، وهي كلمة قديمة تعني بستانًا أو غابة صغيرة. وبذلك يمكن ترجمة اسم إسكهولت إلى «بستان الدردار» أو «غابة الدردار».
ولم يكن الدردار مجرد شجرة تنمو في محيط القرية، بل كان له دور عملي في حياة سكانها. فقد كانت الأشجار تُستغل بطريقة تقليدية تُعرف باسم «التقليم العلفي»، حيث تُقطع الأغصان والأوراق للاستفادة منها في إطعام الحيوانات خلال فصل الشتاء. وتشير المصادر إلى أن وفرة أشجار الدردار واستخدامها بهذه الطريقة كانا من العوامل المرتبطة بأصل اسم القرية.
ويعود أول ظهور مكتوب لاسم القرية إلى عام 1592، عندما كانت هالاند لا تزال تابعة للدنمارك، وكان الاسم يُكتب آنذاك «Escholt» أو «Eskholtt».
وهكذا، فإن اسم إسكهولت لا يمثل مجرد اسم جغرافي قديم، بل يحمل في داخله إشارة إلى علاقة سكان القرية بالطبيعة، وإلى شجرة كانت جزءًا من اقتصادهم الريفي ووسيلة مهمة لتوفير الغذاء للحيوانات خلال أشهر الشتاء.
قرية بقيت في مواقعها الأصلية
تتكون إسكهولت من أربع مزارع رئيسية تضم أحد عشر مبنى تاريخيًا، يعود بعضها إلى القرن السابع عشر، بينما يعود البعض الآخر إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وتتجمع هذه المباني حول ساحة صغيرة للقرية يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر.
وتكمن أهمية إسكهولت في أن المزارع بقيت في مواقعها الأصلية رغم عمليات إعادة تنظيم الأراضي التي شهدتها السويد خلال القرن التاسع عشر. فقد خضعت القرية لعملية إعادة توزيع الأراضي الكبرى عام 1825، ثم لعملية إعادة توزيع الأراضي القانونية عام 1864، لكن المزارع لم تُفكك ولم تُنقل، وهو ما ساعد على الحفاظ على شكل القرية التاريخي.
من قرية زراعية إلى موقع تاريخي
لم تكن إسكهولت في الماضي موقعًا سياحيًا أو متحفًا مفتوحًا، بل كانت مجتمعًا زراعيًا صغيرًا يعيش سكانه على ما توفره الأرض من موارد. وكانت المزارع تشكل الوحدات الأساسية للحياة اليومية، حيث يجتمع السكن والعمل وتربية الحيوانات وتخزين المحاصيل في مساحة واحدة تقريبًا.
وكانت الحظائر والإسطبلات والمخازن جزءًا أساسيًا من كل مزرعة، فيما كانت الأراضي المحيطة توفر المراعي والمحاصيل. وحتى تفاصيل البناء كانت مرتبطة بالحياة اليومية، من طريقة تشييد البيوت الخشبية إلى استخدام القش والأخشاب في الأسقف والجدران.
وتحاول إسكهولت اليوم الحفاظ على هذه الصورة القديمة من خلال صيانة المباني التاريخية وإبقاء بعض مظاهر الحياة الريفية التقليدية حاضرة أمام الزوار.
سكان القرية والهجرة إلى أمريكا
تكشف السجلات التاريخية عن تغير كبير في عدد سكان إسكهولت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ففي عام 1824 كان يعيش في القرية 26 شخصًا، ثم ارتفع عدد السكان إلى نحو 40 شخصًا خلال الجزء الأخير من القرن التاسع عشر.
ومع ارتفاع عدد السكان، بُنيت بعض المساكن الصغيرة في الأراضي البعيدة التابعة للقرية، والتي كانت تعرف باسم الأراضي الخارجية.
لكن هذه الزيادة السكانية لم تستمر طويلًا. ففي عام 1859 هاجر أول سكان القرية إلى أمريكا، قبل أن يعود لاحقًا إلى السويد. وبعد نحو ثلاثين عامًا بدأت موجة الهجرة بصورة أكبر، وغادر نحو خمسة عشر شابًا القرية بحثًا عن حياة جديدة في الخارج.
وكانت الهجرة إلى أمريكا ظاهرة واسعة في السويد خلال تلك الفترة، وشكلت جزءًا من التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها الريف السويدي في القرن التاسع عشر.
وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين، لم يبقَ في إسكهولت سوى ثمانية أشخاص. وفي ذلك الوقت لم تكن المنازل في القرية مزودة بالكهرباء أو المياه، وكانت الحياة اليومية تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة وتربية الحيوانات والعمل اليدوي.
مزرعة بنغتس.. تاريخ يمتد إلى عام 1610
تعد مزرعة بنغتس (Bengts) إحدى المزارع الأربع التاريخية في إسكهولت. وقد سميت نسبة إلى عضو البرلمان السويدي بنغت بيرشون، الذي انتقل إلى المزرعة عام 1785.
ويعود تاريخ المزرعة إلى عام 1610، أما المنزل السكني الحالي فقد شُيد عام 1850، وهو أحدث منزل سكني في القرية.
وعلى النقيض من ذلك، تعود حظيرة المزرعة إلى النصف الأول من القرن السابع عشر، ولذلك يرجح أنها أقدم مبنى في إسكهولت.
وقد شيد المنزل الحالي ستة من أحفاد بنغت بيرشون، ثم أضيف إليه جزء جديد عام 1914 بهدف توسيع المطبخ.
مزرعة يونساس وقصة الحريق
تحمل مزرعة يونساس (Jönsas) اسمها نسبة إلى عدة أجيال من أبناء عائلة يونز الذين عاشوا في القرنين السابع عشر والثامن عشر.
وتتكون المزرعة من منزل سكني وحظيرة، إلا أن المنزل الحالي لم يكن هو المنزل الأصلي. فقد احترق المنزل السابق عام 1953، ثم نُقل منزل من منطقة تيميروس في فورلاندا إلى إسكهولت خلال الفترة بين عامي 1968 و1970.
وينتمي المنزل إلى نمط معماري سويدي تقليدي يعرف باسم بيت ريغوستوغا (Ryggåsstuga)، وهو منزل ريفي سويدي قديم يتكون عادةً من طابق واحد، ولا يحتوي على سقف داخلي يغطي الهيكل الخشبي من الداخل، ولذلك يستطيع من يدخل المنزل رؤية عوارض السقف والعارضة الرئيسية الممتدة في أعلى السقف مباشرة من داخل الغرفة.
ومن المفارقات أن النول الموجود داخل المنزل نجا من حريق عام 1953، لأنه كان موجودًا في الحظيرة في ذلك الوقت.
ولا تزال آثار الحريق ظاهرة حتى اليوم على واجهة منزل مزرعة غوتاس، المواجهة لمزرعة يونساس، لتصبح تلك العلامات جزءًا من الذاكرة المادية للقرية.
مزرعة غوتاس.. الأفضل حفظًا
تُعد مزرعة غوتاس (Göttas) أفضل المزارع المحفوظة في إسكهولت. وقد حملت المزرعة اسمها الحالي عام 1755، بعد أن اشتراها أندرس بيرشون، القادم من غوداتورب في منطقة ييلينغه.
وتضم المزرعة منزلًا سكنيًا وإسطبلًا وحظيرة وقبوًا أرضيًا، إلى جانب مبنى للأعمال الخشبية يعرف باسم هوغهوس (Huggehus)، يضم ورشة للنجارة ومخزنًا للحطب، فضلًا عن بستان صغير.
وكان المنزل السكني في الأصل من طراز بيت ريغوستوغا. وفي القرن التاسع عشر، جرى تطوير المنزل وتحويله إلى نمط بيت فرامكامار (Framkammarstuga).
وبيت فرامكامار هو نمط تقليدي من العمارة الريفية السويدية، نشأ من أنواع أقدم من البيوت، مثل البيت البسيط (Enkelstuga) أو البيت المزدوج (Parstuga). وكان يتم توسيع المنزل الأصلي طوليًا بإضافة غرفة إضافية أو أكثر عند أحد طرفيه أو عند طرفيه، بما يسمح بتوفير مساحة أكبر للسكن دون التخلي عن البناء الأساسي للمنزل.
أما المنزل الرئيسي الأصلي في مزرعة غوتاس، الذي كان من طراز ريغوستوغا وله سقف مغطى بالعشب، فقد شُيد عام 1755. وأضيفت الشرفات الأمامية إلى المنزل في القرن العشرين.
وتعود حظيرة المزرعة إلى نحو عام 1726، لكنها خضعت لعملية تجديد واسعة في أوائل خمسينيات القرن الثامن عشر. أما مبنى هوغهوس، فيتميز بجدران سميكة يصل سمكها إلى نحو متر، فيما تغيرت مواد تغطية سقفه عبر الزمن بين القرميد والقش والألواح الخشبية.
وتشير السجلات إلى أن أول مالك معروف للمزرعة ورد اسمه في سجل ضريبي عام 1630، وظلت المزرعة مأهولة بالسكان حتى عام 1945. واليوم تمثل غوتاس واحدة من أهم الشواهد المعمارية على طبيعة الحياة الزراعية في إسكهولت، بما احتفظت به من مبانٍ وتفاصيل تعود إلى قرون مضت.
مزرعة ديراس.. آخر سكان القرية
تحمل مزرعة ديراس (Derras) اسمًا مشتقًا من كلمة تعني «الجار»، وقد احتفظت المزرعة بهذا الاسم عبر تاريخها. ويُعتقد أن المنزل السكني فيها كان في الأصل من نمط بيت هوغلوفت (Högloftsstuga)، وهو نمط قديم من العمارة الريفية السويدية.
ويتميز بيت هوغلوفت بتصميم معماري يجمع بين بيت ريغوستوغا منخفض في وسط المبنى، وجزأين مرتفعين من البناء في طرفي المنزل. ويمنح هذا التكوين المبنى شكله المميز، إذ يبدو الجزء الأوسط أقل ارتفاعًا من القسمين الموجودين عند طرفيه.
وكان غوتفريد بيترسون آخر سكان إسكهولت، وقد عاش في مزرعة ديراس حتى وفاته عام 1964. وبوفاته انتهى فصل مهم من تاريخ القرية بوصفها مجتمعًا ريفيًا مأهولًا بصورة تقليدية.
وتتكون المزرعة، إلى جانب المنزل الرئيسي، من إسطبل يضم مكانًا للحيوانات، بينما تتجمع المباني حول ساحة مرصوفة بالحجارة. وتشكل هذه المباني مجتمعة صورة واضحة عن طريقة تنظيم المزارع الريفية السويدية في القرون الماضية.
عندما عاد القش إلى الأسطح
من التفاصيل اللافتة في تاريخ إسكهولت الطريقة التي تغيرت بها مواد البناء مع مرور الزمن. فقد كانت إحدى الحظائر مغطاة بالقش، قبل أن يُستبدل عام 1932 بسقف من الألواح الخشبية. لكن في عام 2011 تقرر العودة إلى استخدام القش في تغطية السقف، في محاولة لاستعادة الشكل التاريخي للمبنى والحفاظ على المظهر التقليدي للقرية.
وتوضح هذه التفاصيل أن الحفاظ على إسكهولت لا يقتصر على إبقاء المباني القديمة قائمة، وإنما يشمل أيضًا استعادة عناصر وتقنيات من الحياة الريفية التقليدية.
الحياة الريفية في إسكهولت
لا تزال إسكهولت تحتفظ بالعديد من عناصر البيئة الريفية التي شكلت حياة سكانها في الماضي. فتوجد فيها حيوانات ريفية، مثل الأبقار والدجاج، إلى جانب الأراضي الزراعية والغابات، فيما يمر بالقرب منها مسار هالاندسليدن (Hallandsleden).
وخلال فصل الصيف يعمل مقهى في القرية، كما تقام بعض الفعاليات المرتبطة بالتقاليد السويدية، ومنها احتفالات منتصف الصيف ومهرجانات الحصاد. وتعكس هذه المظاهر استمرار بعض عناصر الثقافة الريفية التقليدية، في إطار الجهود الرامية إلى الحفاظ على الطابع التاريخي للمكان.
135 هكتارًا من التاريخ والطبيعة
تمتد إسكهولت على مساحة تقارب 135 هكتارًا، أي نحو 1.35 كيلومتر مربع، وتجمع هذه المساحة بين المباني التاريخية والأراضي الزراعية والغابات والمساحات الطبيعية.
ولهذا تبدو القرية جزءًا من منظومة ريفية متكاملة، وليست مجرد مجموعة من البيوت القديمة. فالمنازل والحظائر والإسطبلات والأراضي الزراعية والحيوانات والغابات ترتبط جميعها بصورة الحياة التي عاشها سكان إسكهولت عبر أجيال متعاقبة.
وتكشف هذه البيئة عن طبيعة الريف السويدي في مرحلة كانت فيها الزراعة وتربية الحيوانات والعمل اليدوي تشكل أساس الحياة اليومية، قبل أن تصل الكهرباء والمياه الجارية وسائر مظاهر الحياة الحديثة إلى هذه المنطقة.
قرية تحفظ ذاكرة الريف السويدي
اليوم، تمثل إسكهولت جزءًا من الذاكرة الثقافية للسويد، ونموذجًا لأهمية الحفاظ على القرى التاريخية والبيئات الريفية التقليدية. فقصة المكان لا تقتصر على مبانٍ قديمة، بل تحكي أيضًا قصة مجتمع ريفي تغير تدريجيًا مع مرور الزمن.
فقد عاش في القرية عشرات السكان الذين اعتمدوا على الزراعة وتربية الحيوانات، قبل أن تؤدي موجات الهجرة إلى تراجع عددهم بصورة كبيرة، حتى لم يبقَ في إسكهولت سوى عدد قليل من السكان. ومع ذلك، لا يعني الحفاظ على ملامح القرية القديمة أن عقارب الساعة توقفت فيها؛ فالحياة الحديثة لم تتوقف، ولم يعد سكانها يعيشون بالطريقة نفسها التي عاش بها أهلها قبل قرون.
ما بقي هو المشهد العمراني والبيئة الريفية وبعض التقاليد المرتبطة بالمكان، من المنازل الخشبية والحظائر والمزارع إلى الأراضي الزراعية والغابات والحيوانات. وفي مساحة تبلغ نحو 135 هكتارًا، تتكامل هذه العناصر لتقدم صورة نادرة عن الريف السويدي في الماضي.
ولهذا، فإن إسكهولت ليست قرية تعيش خارج الزمن، بل مكان يحفظ ذاكرة زمن مضى. فبينما تغير المجتمع السويدي بصورة كبيرة خلال القرنين الماضيين، بقيت القرية شاهدة على مرحلة كانت فيها الأرض والحيوانات والعمل اليدوي أساس الحياة اليومية.
ومن هنا تأتي أهمية إسكهولت اليوم؛ فهي لا تعرض الماضي بوصفه شيئًا جامدًا، وإنما تتيح للإنسان أن يرى كيف كانت الحياة الريفية تُنظَّم وتتشكل، وأن يتتبع من خلال مبانيها وأراضيها تفاصيل مجتمع عاش هنا لأجيال، قبل أن تتغير أنماط الحياة ويبدأ المكان فصلًا جديدًا بوصفه واحدًا من أبرز المواقع الريفية التاريخية المحفوظة في السويد.
انتهى |