صنعاء نيوز - صحوتُ مذعوراً.. القلب يخفق بعنف، والأنفاس تتسارع كأنني أفر من هاوية. لم يكن سوى كابوسٍ مرعب، لكن مرارته تملّكت حلقي

الأربعاء, 26-أغسطس-2026
صنعاء نيوز -


الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

صحوتُ مذعوراً.. القلب يخفق بعنف، والأنفاس تتسارع كأنني أفر من هاوية. لم يكن سوى كابوسٍ مرعب، لكن مرارته تملّكت حلقي وأنا أستحضر مشهد البداية: ها قد أقبل الشهر من نهايته، والراتب الحكومي حبيسُ الأدراج لم يُصرف بعد! التزاماتي لا تعرف الرحمة، ولا تقبل التأجيل قطرةً واحدة؛ إيجار البيت ينتظر، أجور المولدَة الكهربائية تتكدس، أجور الإنترنت، ثم فاتورة دواء المرض المزمن التي لا محيد عنها، وصولاً إلى تلك الديون المتراكمة التي تثقل الكاهل.
أسرعتُ باحثاً عن الهاتف لأتأكد من التاريخ بلهفة وخوف.. يا لليقين المرّ! إنه الخامس والعشرون من الشهر تماماً، حيث يبدأ العد التنازلي للإنهاك العصبي.
معادلة العدل المقلوب في بلادنا تبدو واضحة تماماً؛ فالمواطن يُغرم إن تأخر عن سداد التزاماته، بينما تتقاعس الحكومة عن صرف الراتب في موعده فلا يُحاسبها أحد.. لو طُبق المنطق السليم، لفرضنا غرامات تأخير سيادية على الخزينة المتخلفة عن موعدها (الـ 25 من الشهر)، لتُقتطع من نثرياتهم وتُرد للمواطن الذي يُحاصرهم الجوع، وتراكم الديون، وفواتير المولدات، لكنه العدل الذي لا يُطبق إلا على الضعفاء.

وما إن صحوتُ على هذه الصدمة، حتى أعلنت الكهرباء الوطنية عن وفاتها المعتادة، فانطفأت المصابيح مع بزوغ الصباح. نهضتُ متعثراً نحو الثلاجة بحثاً عن ماء بارد وأي رمق طعام، ففتحت بابها البارد لأجده خاوياً على عروشِهِ؛ فقد نسيتُ تماماً أن أتسوّق شيئاً للفطور ليلة البارحة من فرط التعب والهموم... تناولتُ هاتفي شاقاً بصري في الاخبار، فإذا بخبرٍ عاجل يتصدر الواجهة: "رئيس الوزراء سيوزع مليون قطعة أرض".. همستُ بمرارةٍ وتساؤل ساخر: امممم.. من جديد! قطعة أرض أخرى تُضاف إلى سيل الوعود بقطع الأراضي التي وعد بها السابقون, كمن يبيع السراب للظمآن.

ضاقت بي الدار، عندها قررت الخروج نحو الفرن لأجلب بعض "الصمون", علّه يسدّ رمق الصباح. وهناك، بدأت رحلة العقبات؛ فما إن خطوتُ خطواتي الأولى حتى صادفني قطيعٌ من ثلاثة كلاب سائبة، نباحها الوحشي أيقظ في ذاكرتي شبح رجال الأمن في الزمن القبيح، وكيف كانوا يلاحقون الناس بلا رحمة. أزحْتُ الخوف عن قدمي ومضيت، لأصطدم بالعقبة الثانية: عبور الشارع الذي بات ممراً محفوفاً بالموت! بفضل عجلات "التكتوك" المسرعة بتهور جنوني لا يبالي بأرواح العابرين.

عُدتُ إلى البيت بسلام، محموماً برغبة عابرة لصنع فطور دافئ أستفتح به يوماً أتوسل فيه وميضاً من أمل. أوقدتُ النار، وضعتُ المقلاة، وشرعتُ في قلي البيض وتسخين إبريق الشاي.. وما هي إلا لحظات حتى تفاجأتُ بقنينة الغاز وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة بصوتٍ متقطع ومخنوق، قبل أن يكتمل قلي البيض، وقبل أن يسخن الشاي حتى نصف سخونته!
رميتُ قداحتي بيأسٍ على الطاولة، وأطلقتُ زفرةً مريرة اختلطت فيها رائحة الغاز الخاوي بمرارة الصباح الموصد. نظرتُ إلى المقلاة حيث البيض النصف ناضج، وإلى الشاي الفاتر الذي يرفض أن يغلي، فقلت لنفسي بسخريةٍ سوداء: "ها هو الوطن يختصر في قنينة غازٍ تفرغ تماماً قبل أن ينضج إفطارك.. فكيف بنضج أمة؟"

لكن، وقبل أن يُطبق عليّ صمتُ اليأس، لمعت بريقٌ غير مألوف على شاشة الهاتف الملقى بجانبي.. هاتفٌ ظل لدهرٍ طويل مقبرةً للوعود والأصفار... بأصابع مرتعشة، فتحتُ تطبيق المصرف.. وللمرة الأولى في تاريخ هذا التقويم الملعون، لم يكن الحساب فارغاً.. لم يكن مجرد الراتب المنتظر، بل وُضعت في حسابي مبالغ طائلة دُوّن أمامها بندٌ غريب ومذهل: "تعويضات أضرار الروح، غرامات التأخير السيادية، وبدل ضغط الدم الصباحي". لقد قررت الخزينة، في لفتةٍ سوريالية تشبه المعجزات، أن تعترف بكل ما مررتُ به؛ فدفعت ثمن الصمون، وعوضتني عن نباح الكلاب، بل وحتى عن أنفاس قنينة الغاز الميتة!.. جلستُ بذهولٍ مطبق، أطالع الأرقام وهي تضيء في وجه العتمة، وأنا أتساءل بلا تصديق: "أهي عدالة الحكومة التي أشرقت أخيرًا من حيث لا ندري؟".

فجأةً.. صحوتُ على صرخاتِ جاري المدوّية، لأدرك أنني ما زلتُ سجيناً في كابوسٍ يتناسخ! فقد كان الجار يعوي في جوف الشارع شاتماً إبليسَ وصدامَ والماسونيةَ معاً، باعتبارهم العصابةَ السريةَ التي تعمدت تعطيلَ مركبته العجوز التي أبت أن تدور.

تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 26-أغسطس-2026 الساعة: 06:16 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-109809.htm