صنعاء نيوز - يتناول المقال آخر ملامح الأزمة الداخلية في إيران، من زاوية تداخل الانهيار الاقتصادي، وارتفاع الدولار والذهب، وأزمة البنزين، ونقص الدواء

الجمعة, 28-أغسطس-2026
صنعاء نيوز -
إيران بين حرب الأجنحة وشبح الانتفاضة"

يتناول المقال آخر ملامح الأزمة الداخلية في إيران، من زاوية تداخل الانهيار الاقتصادي، وارتفاع الدولار والذهب، وأزمة البنزين، ونقص الدواء، مع تصاعد صراع الأجنحة داخل النظام حول التفاوض مع الولايات المتحدة، وخوف السلطة من تكرار انتفاضة نوفمبر 2019.

كما يربط المقال هذه التطورات بالموقف العربي الأخير الذي وقّعته 286 شخصية من 11 دولة، والذي أكد أن أزمة إيران والمنطقة لا تُحل بالحرب ولا بالمساومة، بل بدعم حق الشعب الإيراني في الحرية ومساندة مقاومته المنظمة.

آمل أن تجدوا في المقال مادة مناسبة للنشر في منصتكم الكريمة.

مع خالص التقدير والاحترام،

سعيد عابد



إيران بين حرب الأجنحة وشبح الانتفاضة

بقلم: سعيد عابد
لم يعد النظام الإيراني يواجه أزمة واحدة يمكن احتواؤها بإجراء اقتصادي أو مناورة سياسية. ما يجري اليوم هو تداخل خطير بين انهيار اقتصادي متسارع، وصراع محتدم داخل أجنحة السلطة، وأزمة طاقة تهدد بتفجير الشارع، في وقت تتزايد فيه مؤشرات الغضب الاجتماعي وتفقد الدولة قدرتها على إدارة أبسط الملفات.

فمع وصول الدولار إلى نحو 192 ألف تومان، وارتفاع سعر قطعة الذهب من نوع إمامي إلى 208 ملايين تومان في 22 أغسطس 2026، تبدو الأزمة النقدية والمعيشية وكأنها خرجت من نطاق السيطرة. هذه الأرقام لا تعكس تراجعًا ماليًا فقط، بل تشير إلى فقدان الثقة بالعملة وبقدرة النظام على منع الانهيار. ومع الحديث عن عقوبات أميركية جديدة، وتوجه الإمارات إلى تعليق بعض المعاملات المالية مع طهران، تتسع دائرة الخناق الاقتصادي على نظام يعتمد منذ سنوات على الالتفاف والوسطاء وشبكات الظل.

وسط هذا الضغط، انفجرت الخلافات داخل النظام حول مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة. ففي 21 أغسطس، قال الرئيس مسعود بزشكيان إن الوقت قد حان لإنهاء الصراع، مع تأكيده أن النظام "لن ينحني للبلطجة". غير أن هذا الخطاب لم يخفِ حقيقة أن جناحًا داخل السلطة يبحث عن مخرج، لا من موقع قوة، بل من موقع العجز عن تحمل كلفة استمرار المواجهة.

في المقابل، هاجم المتشددون هذا الاتجاه بعنف. فقد نشر النائب حميد رسائي مقاطع مصورة هاجم فيها محمد خاتمي ومحمد باقر قاليباف بسبب تأييدهما مذكرة تفاهم دبلوماسية، معتبرًا أن ما يثير القلق هو أن مواقف بعض مسؤولي البلاد باتت أقرب إلى خاتمي منها إلى موقف المرشد. هذه اللغة تكشف أن الخلاف لم يعد مجرد نقاش حول التفاوض، بل صراع على تعريف الولاء داخل النظام نفسه: هل تكون الأولوية لإنقاذ الدولة من الانهيار، أم للاستمرار في خط المواجهة مهما كانت الكلفة؟

"أزمة البنزين كقنبلة سياسية"

إلى جانب الأزمة النقدية، تواجه الحكومة عجزًا حادًا في البنزين. فالاستهلاك اليومي وصل إلى نحو 135 مليون لتر، فيما تحتاج الدولة إلى استيراد نحو 15 مليون لتر يوميًا لتغطية الفجوة. وفي 21 أغسطس، تساءل بزشكيان علنًا: من قال إن على الحكومة أن تشتري البنزين بسعر 130 ألف تومان ثم تبيعه بـ1500 تومان؟ هذا السؤال بدا أقل كتصريح اقتصادي، وأكثر كتمهيد سياسي لتحميل المواطنين كلفة جديدة.

لكن البنزين في إيران ليس سلعة عادية. ذاكرة انتفاضة نوفمبر 2019 ما زالت تطارد أجهزة النظام، حين أدى رفع مفاجئ للأسعار إلى احتجاجات واسعة استهدفت السلطة بأكملها. لذلك، فإن أي حديث عن رفع سعر الوقود يوقظ داخل النظام هاجس الانفجار.

وقد ظهر هذا الخوف في تصريحات عدد من نواب البرلمان. ففي 19 أغسطس، حذر النائب فياضي من أن زيادة أسعار البنزين "حل خاطئ جدًا جدًا"، مؤكدًا أنها ستثير أعصابًا سياسية حساسة في المجتمع. وفي اليوم التالي، حذر النائب ظهوريان من أن رفع كلفة الوقود قد يخلق "بنية تحتية لانفجار اجتماعي". هذه التحذيرات لا تأتي من المعارضة، بل من داخل المؤسسة نفسها، ما يعني أن النظام يعرف أن المجتمع لم يعد قادرًا على تحمل صدمة جديدة.

حتى الإعلام الحكومي بدأ يكرر هذا القلق. فقد حذرت صحيفة "عصر إيران" في 20 أغسطس الحكومة من تكرار أخطاء الماضي، ووصفت البنزين بأنه بات نوعًا من "احتجاز الرهائن بين الحكومة والشعب". وحذرت من أن غرور السلطة قد يصنع كارثة دموية جديدة شبيهة بما حدث في نوفمبر 2019.

"الخناق المالي من الخارج والفساد من الداخل"

لا تقف الأزمة عند الداخل. فقد نقلت "إيلنا" عن عضو غرفة التجارة علي شريعتي تحذيره من أن أي تجميد لأموال إيرانية أو أموال شركات وسيطة أو بنوك مرتبطة بإيران في الإمارات قد يشمل مبالغ كبيرة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن دبي ظلت قناة مالية وتجارية مهمة للنظام الإيراني وشبكاته الاقتصادية.

ومع أن السلطات الإماراتية لم تعلن رسميًا مصادرة أموال، فإن تعليق التعاملات التجارية بعد اتهامات تتعلق بإطلاق صواريخ باليستية نحو خطوط الملاحة الإقليمية يفتح جبهة ضغط جديدة على طهران. فالنظام الذي اعتمد طويلًا على شبكات مالية وتجارية خارج القنوات الرسمية يجد نفسه الآن أمام تضييق متزايد يهدد قدرته على الحركة.

وهنا يلتقي الداخل بالخارج. فالعزلة والعقوبات والضغوط الإقليمية تزيد كلفة بقاء النظام، بينما تتراكم الأعباء على المواطن الإيراني. وكلما ضاقت مصادر التمويل، حاولت السلطة نقل جزء من العبء إلى الناس عبر الأسعار والضرائب وخفض الدعم، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن هذه السياسة قد تشعل الشارع.

"الفقر والدواء والقمع"

تظهر آثار الاختناق المالي في حياة الإيرانيين اليومية. فقد تحدثت وسائل إعلام رسمية في 22 أغسطس عن نقص في أدوية أساسية، بما في ذلك مسكنات إيرانية الصنع، وأدوية المعدة، وبعض الأدوية النفسية. واعترف رئيس منظمة الغذاء والدواء حيدر محمدي بيرصالحي بأن سقوف الأسعار الصارمة تجبر بعض المنتجين على وقف الإنتاج، فيما تؤدي تكاليف النقل والديون المتراكمة في قطاع الدواء إلى فراغ رفوف الصيدليات.

وبدل معالجة جذور هذه الأزمات، يواصل النظام الرد بالقوة على الفئات الضعيفة. ففي 22 أغسطس، هدمت قوات النظام منازل فقراء في حي جنغلوك بمدينة تشابهار. وعلى الحدود، تستمر سياسة إطلاق النار والملاحقة ضد ناقلي الوقود والعتالة الفقراء. ففي 20 أغسطس، احترق شابان بلوشيان من ناقلي الوقود حتى الموت أثناء مطاردة أمنية، كما قُتل عتال كردي بنيران مباشرة في سردشت في 19 أغسطس.

هذه الحوادث ليست تفاصيل هامشية. إنها تكشف طبيعة نظام يطلب من الفقراء تحمل نتائج إفلاسه، ثم يواجههم بالرصاص والهدم والملاحقة عندما يحاولون البقاء على قيد الحياة.

"المعادلة التي تخشاها طهران"

في هذه اللحظة، تبدو أزمة النظام متعددة المستويات: العملة تنهار، أسعار الذهب تقفز، البنزين يتحول إلى قنبلة اجتماعية، الأدوية تختفي، الفقراء يتعرضون للقمع، والأجنحة تتصارع حول التفاوض. لذلك لا يمكن قراءة دعوة بزشكيان إلى إنهاء الصراع كمجرد مناورة دبلوماسية. إنها محاولة من جناح داخل السلطة لدفع مجتبى خامنئي إلى تجرع "كأس السم" والقبول بالتفاوض قبل أن تنفجر الأزمة داخليًا.

لكن هذا المسار نفسه يزيد الانقسام. فكل خطوة نحو التفاوض تثير غضب المتشددين، وكل استمرار في المواجهة يزيد الانهيار الاقتصادي. النظام عالق بين خيارين مريرين: التراجع الخارجي بما يكشف ضعفه، أو الاستمرار في التصعيد بما يعمق أزمة الداخل.

وفي هذا السياق، تكتسب المواقف العربية الأخيرة أهمية خاصة. فقد أكد بيان وقّعته 286 شخصية عربية من 11 دولة أن مشكلة المنطقة لا تنفصل عن طبيعة هذا النظام، القائم على القمع في الداخل وتصدير الأزمات إلى الخارج. وشدد البيان على أن السياسات العدوانية، ودعم الميليشيات، وتهديد أمن الدول العربية، ليست أخطاء عابرة، بل جزء من استراتيجية بقاء نظام ولاية الفقيه.

الأهم أن هذا البيان أعاد طرح جوهر الحل بوضوح: لا الحرب ولا المساومة تشكلان مخرجًا حقيقيًا لأزمة إيران والمنطقة. فالحرب تمنح النظام فرصة لتبرير القمع، والمساومة تمنحه وقتًا لإعادة إنتاج أزماته. أما الطريق الواقعي فهو دعم حق الشعب الإيراني في الحرية والديمقراطية، ومساندة مقاومته المنظمة باعتبارها العامل الداخلي القادر على إنهاء مصدر الخطر من جذوره.

"نظام يشتري الوقت"

ما يجري في إيران ليس مجرد أزمة معيشية أو خلاف داخل السلطة حول التفاوض. إنه اختبار لبقاء نظام استنفد أدواته التقليدية: لا يستطيع تمويل الدعم كما في السابق، ولا يستطيع رفع الأسعار بلا خوف، ولا يستطيع التفاوض بلا انقسام، ولا يستطيع الاستمرار في المواجهة بلا كلفة اجتماعية خانقة.

ولهذا تبدو البلاد أمام عتبة خطرة. المجتمع مثقل بالتضخم وانهيار العملة ونقص الدواء والقمع اليومي. السلطة ممزقة بين أجنحتها. والشارع يحتفظ بذاكرة انتفاضات سابقة أثبتت أن القرار الاقتصادي يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى مواجهة سياسية.

في النهاية، لا يخشى النظام البنزين وحده، ولا الدولار وحده، ولا العقوبات وحدها. ما يخشاه هو التقاء هذه الأزمات في لحظة واحدة مع غضب شعبي متراكم ومقاومة منظمة قادرة على تحويل السخط إلى فعل سياسي. عندها لا تكون المسألة رفع سعر وقود أو قبول تفاوض، بل بداية مرحلة جديدة من المواجهة بين شعب يريد الحياة ونظام لم يعد يملك سوى القمع وشراء الوقت.

تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 28-أغسطس-2026 الساعة: 09:04 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-109836.htm