صنعاء نيوز - هندسة المال العام ومتاهات التوافق.. كيف تعيد مخرجات "4+4" صياغة الإدارة والإنفاق في ليبيا؟

الخميس, 10-سبتمبر-2026
صنعاء نيوز/ زمزم حسين - ليبيا -
هندسة المال العام ومتاهات التوافق.. كيف تعيد مخرجات "4+4" صياغة الإدارة والإنفاق في ليبيا؟


في المشهد السياسي والإداري الليبي، تتقاطع دائماً خيوط التوافقات الكبرى مع الواقع المعيشي للخزينة العامة. ومع تزايد الحديث عن تداعيات مخرجات أطر التوافق واللجان المشتركة – المعروفة بمسارات "4+4" – يبرز تساؤل مصريحي ملح: هل تملك هذه التفاهمات القدرة الحقيقية على كبح جماح الإنفاق العشوائي، وإعادة هندسة الإدارة المالية للدولة على أسس مؤسسية مستدامة، أم أنها ستظل حبيسة الأوراق والنقاشات الفوقية؟
لإضاءة هذا المشهد المعقد، يتطلب الأمر الغوص في تقاطعات الرؤى بين خبرات وزارية متعاقبة أدارت ملفات الاقتصاد والتخطيط، وصولاً إلى نبض الميدان الذي يكتوي بنار المركزية؛ حيث تتلاقى أطروحات وزير الاقتصاد الأسبق محمد الحويج، ووزير التخطيط الأسبق عيسى التويجر، ووزير الاقتصاد الأسبق مصطفى أبوفناس، ووزير الاقتصاد والتجارة الأسبق علي العيساوي، مع القراءة الميدانية العميقة للمحلل الاقتصادي والمالي المتخصص ومدير مراقبة الخدمات المالية بالشويرف إبراهيم عثمان النكاع.

البوصلة الاقتصادية وهيكلة الإنتاج: رؤية محمد الحويج

ينطلق وزير الاقتصاد الأسبق، محمد الحويج، من قاعدة أساسية مفادها أن أي توافق إداري أو سياسي – كتلك المفرزة عن مسارات "4+4" – يظل ناقصاً إن لم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحفيز الاقتصاد الحقيقي وتنويع مصادر الدخل القومي.

يرى الحويج أن الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية وحدها جعل الموازنة العامة رهينة لتقلبات الأسواق الخارجية. ومن هنا، فإن مخرجات التوافق يجب أن تُترجم فوراً إلى سياسات عملية تكسر القيود البيروقراطية أمام القطاع الخاص، وتوجه الإنفاق العام نحو مشاريع البنية التحتية والإنتاج الحقيقي، لا الاكتفاء بتمويل الاستهلاك الجاري الذي يثقل كفة الخزينة دون عائد تنموي.

غياب التخطيط الاستراتيجي وعثرات التنمية: قراءة عيسى التويجر

من زاويّة التخطيط الشامل وتوزيع الموارد، يشير وزير التخطيط الأسبق، عيسى التويجر، إلى أن الأزمة الإدارية والمالية في ليبيا هي في جذورها أزمة تخطيط غائب وغياب للرؤية المستقبلية بعيدة المدى.

ويؤكد التويجر أن أي مسار توافقي يغفل إرساء قواعد التخطيط الاستراتيجي المبرمج سيخلق حتماً حالة من التخبط في توزيع المشاريع العامة. ويدعو إلى استثمار أي تقارب مؤسسي لتوحيد جهود التنمية المكانية، وربط الموازنات الاستثمارية بمعدلات أداء دقيقة تضمن العدالة في وصول التمويل لمختلف المدن والمناطق، بعيداً عن سياسات الترضيات المركزية.

الأسواق، التنظيم، ومحاربة التشوهات: رؤية مصطفى أبوفناس

بدوره، يركز وزير الاقتصاد الأسبق، مصطفى أبوفناس، على أهمية ضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية للمواطن كمعيار حقيقي لنجاح أي إصلاح إداري ومالي.

يوضح أبوفناس أن تداخل الاختصاصات وغياب الرقابة الفعالة على حركة السلع والتدفقات المالية يفرزان تشوهات عميقة في بنية السوق المحلي. ويرى أن مخرجات مسارات التوافق يجب أن تمثل فرصة لتفعيل قوانين التجارة والاستثمار، ومنع الاحتكار، وإعادة تنظيم الدعم الحكومي وتوجيهه لمستحقيه فعلياً، لضمان حماية المال العام من الهدر والتسرب خارج القنوات الرسمية.

تكامل السياسات التجارية والمالية: رؤية علي العيساوي

من زاوية التجارة البينية والسياسات المؤسسية، يرى وزير الاقتصاد والتجارة الأسبق، علي العيساوي، أن معالجة الاختلالات المالية تتطلب توحيد المؤسسات السيادية بشكل كامل، ودمج الرؤى التجارية مع السياسات النقدية والمالية.

ويشير العيساوي إلى أن أي تفاهمات سياسية أو إدارية لن تُجدي نفعاً ما لم تترافق مع حوكمة رقمية وشفافية مطلقة في إبرام العقود الحكومية وتسهيل حركة التجارة الداخلية والخارجية. فالإدارة الناجحة للمال العام تبدأ من تنظيم الأسواق وتأمين سلاسل الإمداد وقطع الطريق أمام الفساد الإداري والمالي.

نبض الميدان والرقابة المحلية: القراءة التحليلية لإبراهيم عثمان النكاع

إذا كانت السياسات الكبرى ترسم في العواصم، فإن تداعياتها الحقيقية تُختبر تماماً في المديريات والمراقبات المحلية. ومن هنا تكتسب قراءة إبراهيم عثمان النكاع، مدير مراقبة الخدمات المالية بالشويرف والمحلل الاقتصادي والمالي المتخصص، أهمية استثنائية تعيد توجيه بوصلة التحليل من التنظير الفوقي إلى واقع الميدان.

يحذر النكاع من أن أي مخرجات أو اتفاقات توافقية بمعزل عن تمكين الإدارات الرقابية والمحلية تظل مجرد حبر على ورق. ويؤكد مدير مراقبة الخدمات المالية بالشويرف أن التباين الشاسع في توزيع الموارد وغياب آليات الرقابة الفعالة على الصرف المحلي هما السببان الرئيسيان في استمرار نزيف المال العام.

ويضع النكاع أصابعه بدقة على الجرح الإداري والمالي عبر تحديد ركائز أساسية لأي إصلاح مرتقب:

تمكين الأجهزة الرقابية المحلية: ومنحها الصلاحيات التقنية والمالية لمتابعة تنفيذ المشروعات على أرض الواقع دون انتظار الفتات المركزي.
إصلاح دورة المستندات: والقضاء على البيروقراطية القاتلة التي تعطل إنجاز الخدمات وتخلق بيئة خصبة للفساد.
توجيه الإنفاق نحو التنمية المكانية: بما يضمن وصول الميزانيات إلى مستحقيها الفعليين في كافة المدن والمناطق دون استثناء.
مأسسة الشفافية والمساءلة: وربط تقييم المسؤولين بمؤشرات أداء حقيقية وملموسة وليست تقارير ورقية عابرة.
خلاصة المشهد: هل من مخرج؟

بين طموحات التوافق السياسي ومخاضات الإدارة المالية، تتفق الخلاصة التي تقدمها أصوات محمد الحويج، عيسى التويجر، مصطفى أبوفناس، علي العيساوي، وإبراهيم عثمان النكاع، على أن مسارات "4+4" أو غيرها من أطر التوافق لن تُحدث فارقاً حقيقياً ما لم تتحول إلى ثورة إدارية وهيكلية شاملة.

إن حماية المال العام وترشيد الإنفاق لا يتحققان بقرارات فوقية متعجلة، بل يتطلبان شراكة حقيقية بين المركز والأطراف، وتوحيداً فعلياً للمؤسسات السيادية، ووضع كفاءة الإدارة وقدرة المواطن على العيش الكريم في قمة أولويات الدولة، بعيداً عن حسابات التجاذب السياسي المؤقت.





زمزم حسين

صحفية ليبية مستقلة
تمت طباعة الخبر في: الخميس, 10-سبتمبر-2026 الساعة: 11:32 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-110033.htm