صنعاء نيوز -     استشهد من استشهد، وبقي في الميدان من يحمي القضية ويحمل السلاح. وبين الذين رحلوا ومن يواصلون الطريق، رجال بنوا على مدى سنوات طويلة، مسيرة من التعاون والتآخي اللذيْن جعلا من العلاقة بين «أنصار الله» في اليمن ومحور المقاومة، نموذجاً خاصاً

الأربعاء, 16-سبتمبر-2026
صنعاء نيوز.. أ/ إبراهيم الأمين -
استشهد من استشهد، وبقي في الميدان من يحمي القضية ويحمل السلاح. وبين الذين رحلوا ومن يواصلون الطريق، رجال بنوا على مدى سنوات طويلة، مسيرة من التعاون والتآخي اللذيْن جعلا من العلاقة بين «أنصار الله» في اليمن ومحور المقاومة، نموذجاً خاصاً،

فيه الفهم المشترك لطبيعة المعركة، وفهم أدقّ لدور كل طرف من أطراف المحور. لكن، هناك علاقة خاصة ربطت «أنصار الله» في اليمن بحزب الله في لبنان، وهي علاقة تشرح بوضوح طبيعة العلاقة بينهما وبين إيران. تلك العلاقة التي تخالف كل سردية الاستعمار وأذنابه عن القوى المناهضة للاحتلال والهيمنة والأنظمة المستبدّة.


لم يخرج حزب الله في لبنان، أو «أنصار الله» في اليمن إلى النور بقرار إداري. وما حملهما إلى مواقع متقدّمة في فترة زمنية قياسية، لم يكن سوى تطلّعات تخص ملايين البشر الذين يتوقون إلى التحرر، وجاءت ثورة الإمام الخميني في إيران، لتفتح الباب أمام قيام مركز كبير، يدعم حركات المقاومة في مواجهة الاحتلالين الأميركي والإسرائيلي في المنطقة، ويساعد أبناء هذه القوى على مواجهة الظلم في بلدانها.

وإذا كانت حركة حماس، الخارجة من رحم «الإخوان المسلمين» بنت على طريقتها، علاقتها الخاصة مع إيران أو مع بقية قوى المقاومة، فهي فعلت ما تراه الأنسب لخصوصيتها، والأكثر فائدة لقضية فلسطين.
لكنّ أعداء حماس، فسّروا ما يوصف بهوامش، على أنها عائدة إلى بنيانها العقائدي، بينما نفى هؤلاء عن حزب الله أو «أنصار الله» الاستقلالية، وقرّروا التعامل معهما على أنهما مجرّد فرعيْن للثورة الإيرانية.

لكن، ليس هناك من مفاجأة إن قلنا إن العدو وحده من يعرف حقيقة الأمر. وهي حقيقة يحتاج إليها لمعرفة كيفية قتاله قوى المقاومة.

ومنذ وقت غير قليل، تشكّلت قناعة عند قيادة النظام الصهيوني، بشأن طبيعة العلاقة بين هذه القوى وإيران. وعندما خرج بنيامين نتنياهو مُفاخِراً بعملية اغتيال الشهيد السيد حسن نصرالله، قال إنه كان «محور المحور»، وحاول بإيجاز شديد، شرح ما قرأه في تقارير الجهات المتخصّصة في كيان العدو، التي قدّمت له الحقائق المُفصِّلة لطبيعة العلاقة بين الحزب وإيران. وعندما يفعل العدو ذلك، فهذا ليس لأنه يريد منح أعدائه أي تقدير، بل لكونه، لا يهتم للجوانب الأخرى من السردية. فإسرائيل أراحت نفسها منذ قيامها، بأن اعتبرت العرب جميعاً، أعداء وجب قتلهم.

لكن الصورة لا تكون على هذا النحو، عند قادة الاستعمار في العالم، ولا عند الحكومات العميلة لهم في المنطقة. لذلك، نرى أن الأميركيين وأذنابهم من الأوروبيين، وعملاءهم من ممالك القهر في الجزيرة العربية يرفضون التعامل بواقعية مع الحقائق. ولا يقدرون على تصوّر العلاقة بين قوى المقاومة وإيران، إلا من زاوية كيف يعيشون هم، وكيف تقوم علاقتهم هم مع حلفائهم أو أتباعهم في دول وأحزاب وقيادات المنطقة.

لذلك، سيكون من الصعب على عاقل أن يفهم كيف يتعامل آل سعود، ومعهم غالبية الحكومات العربية مع «أنصار الله»، حيث ينظرون إليها، كقوة تابعة لإيران، تعمل وفق توجّهاتها، لكن هدف حكام الليل، ليس النيل من سمعة الحركة الجهادية اليمنية، بل القول بأنه لا توجد قضية يمنية تحملها «أنصار الله»، بل أجندة تخصّ إيران فقط، ويوماً ما، سوف يخرج من يروي حكاية العلاقة بين «أنصار الله» وحزب الله وإيران، لكن، في اللحظة الحالية، ربما باتت واجبة الإشارة إلى بعض العناوين، في محاولة لشرح الأمر، من أجل أنصار المقاومة في كل المنطقة، ولمن يريد أن يفهم من الجهة المقابلة.

*استقلالية «أنصار الله»، ليست مسألة ثانوية في بناء منظومة محور المقاومة. ويمكن القول بداهة، إن «المونة» الإيرانية على حزب الله مثلاً، هي أكبر بكثير وبكثير جداً من «المونة» الإيرانية على «أنصار الله». وهو أمر دفع كل من تعاقب على إدارة الملف في طهران وبيروت، إلى التعلّم يومياً، حتى قامت آلية فعّالة للتواصل والنقاش وتبادل الأفكار. وقد بذل الشهيد السيد حسن، الجهد الهائل، من أجل بناء قاعدة ثابتة، صارت نموذجاً قابلاً للتعميم في أكثر من مكان.

أمّا تحويل الفكرة إلى واقع، فكانت تتطلّب مهارة خاصة في الميدان، وهي المهمة التي أتقنها القائد الشهيد هيثم الطبطبائي (أبو علي)، الذي تولى إدارة العلاقة مع «أنصار الله» لسنوات طويلة. وهو الذي سافر إلى اليمن مرات ومرات، وكان حاضراً في قلب المشهد، مشاركاً في نقاشات طويلة مع القيادات السياسية والعسكرية والأمنية هناك، وعارفاً بالحاجات الفعلية لقوة مثابرة ومجتهدة ولها خصوصيتها، وقد لعب الشهيد أبو علي دوراً يحفظه له أهل اليمن إلى يوم الدين، على ما يقوله قائدهم الشجاع السيد عبد الملك الحوثي.

لن يُقِرّ الأميركيون وأتباعهم في ممالك القهر، بحقيقة العلاقة التي تربط «أنصار الله» بإيران، ولن يفهموا كيف أن قائداً تاريخياً مثل السيد حسن، أسّس لعلاقة، تحفظ خصوصية كل طرف، وتحقّق أكثر مما هو مُتوقّع من نتائج

كان «أبو علي» يتحدّث عن العلاقة مع «أنصار الله»، من موقع العارف بطبيعة اليمن. استهلك سنوات وهو يتعلّم عن تاريخ هذا البلد، وتركيبته الاجتماعية وطبيعة العلاقة بين الأرض وساكنها، وتعرّف إلى الشخصية المحورية في حركة «أنصار الله»، وتلمّس الطريق متراً بعد متر، حتى وصل إلى عقلها الفكري والسياسي. لكنه كان طوال الوقت، حذِراً في طريقة التعامل والتخاطب، وعندما يُسأل عن الأمر، كان يكرّر لازمة فيها:
«القد أوصاني السيد حسن، أن انتبه في كيفية التحدّث أو النقاش مع أنصار الله، وأن عليك أن تعرف، بأن تكليفك، هو أن تعمل في خدمتهم، وأن تقدّم المشورة حيث يجب، ولست مُخوّلاً، ولا يجوز لك شرعاً، ولا يحقّ لك، أن تطلب منهم شيئاً، أو أن تقترح فكرة على شكل أمر، وإياك أن تحاول فرض وجهة نظرك، واحفظ دائماً، بأنهم أهل الأرض، وهم الأدرى بأمور بلادهم، والتجربة تقول بأنهم يتحمّلون المسؤولية بشجاعة، ويحتاجون إلى العون فقط».

لم يكن الأمر يقف عند هذا الحد، بل كان السيد حسن، يتدخل في كثير من الأحيان، لمعالجة ثغرة قد تبرز، عندما يشعر بأن خللاً ما قد ظهر في التواصل بين إيران و«أنصار الله»، وعمل على وضع «الفهم الأدقّ» الذي صار سياسة في إيران، يرسم تصوّرها لموقع ودور حركة «أنصار الله»، وكان السيد حسن حاسماً، في أن الدعم لهذه المجموعة الشجاعة، لا مقابل له، سوى ما يحقّقه هؤلاء من إنجازات تصبّ حكماً في خدمة الهدف الأكبر. وكان هو من يبادر إلى الحديث مع السيد عبد الملك، في حاجات المقاومة في لبنان وفلسطين، ويحرص في كل مرة، على أن يقول له، بأنه ليس من مسؤولية اليمن القيام بأي دور خاص يزيد من الأعباء على شعبه ومجاهديه. وكم كان السيد حسن، يتأثّر عندما يعرف بما تفعله «أنصار الله» من أجل فلسطين ولبنان، حتى إن الكل يتذكر، كيف بكى السيد وهو يتحدّث أمام الناس، عن حملة التبرعات التي أطلقتها «أنصار الله» دعماً لفلسطين، وهي التي لا تجد ما يكفي قوتها وكفاف يومها بفعل الحصار السعودي – الإماراتي – الأميركي.

ما تقدّم، يهدف إلى توضيح أمر في غاية الأهمية، ذلك أن ما أنجزته «أنصار الله» في باب المندب، شكّل نقلة نوعية في مسيرة هذه الفئة. وهو حدث لا ينفصل عمّا يجري في كل المنطقة. لكنّ الفرق، هو أن «أنصار الله»، أجادت قراءة الأحداث، ولديها كل الحق، في اختيار اللحظة المناسبة للقيام بعمل ضخم، من أجل تحقيق الهدف بأقل الأكلاف.

وإذا كان الجميع يتصرف على أن عملية تحرير الساحل الغربي، لم تكن خارج إطار المواجهة الأشمل مع الولايات المتحدة الأميركية، فإن فوائدها على اليمن، تبقى أكبر بكثير من فوائدها على إيران. ولو أنه بإمكان إيران، وقوى محور المقاومة الاستفادة منها إلى أبعد الحدود. أمّا «حزب التنابل» في الجزيرة العربية، الذين يهيمون على وجوههم دون حيلة، ويصرّون على اعتبار ما حصل خدمة لإيران، فإن بإمكانهم اكتشاف القيمة اليمنية من الحدث، وهو أمر بسيط، وليجرّبوا عقد صفقة مع «أهل الصدق»، فيرفعوا الحصار، ويغادروا اليمن، ويتركوا أمره لأهله، وليتحدّثوا بعدها عن مصالح إيران...

على أن الأهم، يبقى متصلاً بفكرة المقاومة وقواها، ومع أن العدو نجح في توجيه ضربات قاسية إلى قوى المقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا، فهذا المسار ليس قدراً محتوماً، وسوف يلمس أهل لبنان وفلسطين، أهمية ما قامت به «أنصار الله»، وما سوف تقوم به، برغم كل التحشيد والتآمر عليها، من عالم غاضب، فقط، لأن حفنة من الأحرار، نجحوا في رفس قصور الرمال بضربة واحدة...

*المدرسة الحوثية: علوم وعقول تعمل على مدار الساعة*

● كيف تدرّجت المعرفة بالقوة الصاروخية وتطوير خطوط الإنتاج المحلي؟

● بنية استخباراتية وأمنية مع دعم تقني أتاحا رؤية العدو وقراءة الميدان

شهور طويلة، مرّت على بدء التخطيط لعملية الساحل الغربي. كان على «أنصار الله»، توفير كل عناصر النجاح. من اختيار اللحظة السياسية المناسبة، إلى توفير العدة والعتاد والعديد اللازم، وفي الأثناء، كانت «أنصار الله» قد أنجزت مرحلة متقدّمة من علوم الأمن التي لا تفيد فقط في جمع المعطيات من حولها، بل في فهم العدو بطريقة واضحة، وفي تحقيق الاختراقات التي تتيح التعرف إلى كل ما يفكر به الأعداء. وصولاً إلى توفير الأرضية الاستخباراتية المناسبة لساعة المواجهة. فيما كان أهل الاختصاصات، يجتهدون في توفير أدوات المعركة المناسبة، مستفيدين من خبرة نحو عقدين من القتال المستمر، ومن كل الخبرات التي وفّرت لهم من قبل إيران وحزب الله، ومن تجارب عمل أقاموها في أكثر من مكان، لكنّ الأهم، في ما كانوا يعملون عليه في بلادهم، حيث المركز الأساسي لكل شيء.

لعملية الساحل الغربي وباب المندب رواية كاملة، لكن المهم أولاً، معرفة الأساس الذي تحرّكت على أساسه «أنصار الله»، وأي قدرات وخبرات توفّرت لديها خلال عقدين من النشاط السياسي والعسكري والأمني، ما يسمح لها بتنفيذ عملية بهذا الحجم، وتنجح في وقت زمني قياسي، وبأقل الخسائر الممكنة، وحتى بأقل نسبة من الدماء تسقط في صفوف الطرف المقابل.

*التدرّج في البناء العسكري*

بعد تجربة اجتياح محافظات الجنوب في آذار عام 2015، ثم انطلاق المواجهة الكبيرة مع الفصائل الجنوبية بدعم كبير من السعودية والإمارات ودول أخرى، دخلت قيادة «أنصار الله» في أول عملية تقييم نوعية. واستمرت هذه المراجعات بصورة دائمة، بما في ذلك التقييم الخاص الذي حصل بعد معركة مأرب قبل أكثر من 4 سنوات، وقد خلصت القيادة، إلى أن هناك حاجة تفرض إعادة النظر في أساليب كثيرة من فنون القتال. لكنها تأكدت من فعالية العمل الهجومي، شرط توفير متطلبات لتسهيل المهمة العسكرية.

وكان العنصر الرئيسي في العمل، هو انتظام المجلس القبلي، الذي يمثّل أبرز قبائل اليمن، والذي يخرج منه عشرات الآلاف من المقاتلين، وهو إطار يعكس واقعاً خاصاً في شمال اليمن، حيث التداخل غير المسبوق في علاقات قبائل الشمال بعضها مع بعض، مع فهم أدقّ، لطبيعة التمايز عن سكان المحافظات الجنوبية، الذين عجنتهم تجربة الحكم الاشتراكي، التي استمرت منذ نيل الجنوب استقلاله أواخر الستينيات، مروراً بمرحلة متنوعة من الحكم قبل تثبيت الحزب الاشتراكي سيطرته التي استمرت حتى عام 1990.

ذلك أن 22 سنة، فرضت تغييرات كبيرة لم تصل إلى شمال اليمن، خصوصاً أن الشيوعيين في الجنوب، قادوا معركة ضد القبلية وزعماء القبائل، وعمدوا إلى تأميم الأراضي والملكيات لمصلحة الدولة، وفرضوا نظاماً تعليمياً إلزامياً مع إعطاء المرأة دوراً إضافياً، إلى جانب مشروع الإصلاح الزراعي. وكل ذلك أنتج عمارة من نوع مختلف، ومزايا طبعت غالب الجنوبيين،
وعندما عمل علي عبدالله صالح على توحيد البلد كله تحت قيادته، خسر الجنوبيون مزايا الدولة الاشتراكية، فيما حافظ الشماليون على قواعد خاصة بالعمل الاجتماعي مع دور خاص للقبائل.

لكن مشكلة الشمال كانت تختلف من حيث الجوهر، ذلك أن انطلاقة جماعة أنصار الله مع الشهيد حسين الحوثي، كانت تواجه آثار الإهمال الهائل من قبل الدولة المركزية في مجالات التنمية والتعليم والرعاية، إضافة إلى الحملة المركزية التي قادتها السعودية من خلال مراكز تنشر المذهب الوهابي في مناطق تواجد أنصار الحوثي. لكنّ «أنصار الله»، التي واجهت في المرحلة الأولى قوى وقيادات تنتمي دينياً إلى المذهب الزيدي (مثل علي عبد الله صالح وآل الأحمر الذين كانوا يميزون بين العقيدة الزيدية والقبلية الزيدية، وبين الخيارات السياسية)، تحوّلت مع الوقت إلى مركز الاستقطاب الرئيسي لغالبية «الزيود»، علماً أن التقاطع في الجانب الفقهي بين الزيديين وأتباع المذهب الشافعي (من السنّة) إلى جانب التشابك في العلاقات القبلية، مكّنا «أنصار الله» من التوسع داخل هذه الكتلة، وساعداها على تعزيز قواعدها الشعبية خصوصاً لناحية الموقف السياسي ضد الهيمنة السعودية وضد الاستعمار الأميركي، قبل أن يتحول تنظيم أنصار الله إلى مرجعية أولى لما يمكن تسميته بالتحالف القبلي – السياسي الذي يقف خلف القوة التي تحكم شمال اليمن اليوم. وقد نجحت «أنصار الله»، في استمالة غالبية وازنة في القبائل من زاوية أن مصلحة اليمن ليست في تركه لدول وحكومات وقوى حرمته ثرواته لعقود طويلة، وسرقت خيراته وأفقرته، ومنعت التعليم عن أهله، ثم حاولت فرض وجهة عقائدية مخالفة لكل ما ترسّب عند أبناء جنوب الجزيرة طوال ألفي عام وأكثر.

*التسليح والصناعات وتدوير الموارد*

وإلى جانب التوسع في الانتشار الجغرافي، كانت «أنصار الله»، تعمل ليلَ نهارَ على صياغة مشروع عسكري – أمني من نوع خاص. وقد اهتمت بتوفير العتاد، وهي بادرت منذ وقت طويل، إلى جذب كوادر متعلّمة في اختصاصات تساعد على تنمية القدرات العسكرية في بلد يتعرّض للحصار الخانق. وكان عندها برنامج خاص لتهريب الأسلحة من إيران أو من أسواق تشتري منها بعض العتاد، لكن ذلك، كان يحصل بالتزامن مع جهد مركزي لتعزيز الصناعات المحلية، خصوصاً أنها ورثت عن نظام صالح، الكثير من المعدات واللوجستيات التي تفيد في تطوير الصناعة المحلية. قبل أن تعمل على تحديث وتوسيع خطوط الإنتاج، خصوصاً في مجال الصواريخ والمُسيّرات والقطع البحرية.
ومع الوقت، تمكّنت حكومة صنعاء بقيادة «أنصار الله» من إنتاج قدرات نوعية من خلال الصناعات المحلية، وقد استفادت من التقنيات الحديثة المُتاحة في السوق العالمية، ولا سيما ذات الاستخدام المزدوج، علماً أن أعداءها، ولا سيما قوات طارق صالح، ركزوا في عملهم على رصد خطوط الإمداد، بالتعاون الوثيق مع القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، ونجحوا في اعتراض العديد من الشحنات، وتم عرض بعض المُصادرات التي تضمّنت أدوات تكنولوجية مزدوجة الاستخدام.

*أهمية «تركة صالح» ودروس خاصة من المواجهة البحرية
مع أميركا*

لا تخفي صنعاء التعاون الوثيق مع طهران في تبادل الخبرات والعلوم التقنية، لكن مسار التصنيع المحلي لا يقتصر على إنتاج الصواريخ والمُسيّرات الجوية منها والبحرية، بل يشمل تجهيزات ووسائل مرتبطة بالقدرات الاستخباراتية والاتصالات والاستطلاع، وصار واضحاً أن إنتاج حاجات لهذا العالم يتمّ داخل اليمن.

وفي هذا السياق، تكرر الولايات المتحدة اتهاماتها للصين وشركاتها بتزويد «أنصار الله» بتكنولوجيات ومواد ذات «استخدام مزدوج»، والمقصود التقنيات التي تُصنع عادة لأغراض مدنية تجارية، لكن يمكن للجيوش أو القوى المسلّحة تعديلها لتساهم في بناء القدرات العسكرية، خصوصاً ما يتعلق باستهداف السفن المعادية في بحر العرب أو في البحر الأحمر. وبحسب ما أعلنته أمس Anthropic في تقرير استخباراتي عن إساءة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، قالت الشركة إنها رصدت خلية لتطوير الأسلحة في شمال اليمن استخدمت نموذجها Claude Code في العمل على ثلاثة برامج تسليحية، بينها:

- صاروخ باليستي متعدّد المراحل بهدف مدى يتجاوز 2,000 كلم.
-
- صواريخ متعددة الأنواع، أُطلق عليها اسم R2000، بينها نسخة مزوّدة بمفهوم مركبة انزلاقية فرط صوتية.
- صاروخ موجّه خضع بالفعل لاختبار ميداني في اليمن. وقال بيان الشركة إن الاختبار فشل، فعاد أفراد المجموعة خلال ساعات إلى العمل على برنامج Claude لمعرفة سبب الفشل.

*تطوير قوة الاستخبارات*

في زمن حكم الرئيس صالح، تنامت العلاقات بين صنعاء والحكومة الأميركية، وبعد أحداث 11 أيلول 2001، انطلق تعاون استخباراتي خاص، وأنفق الأميركيون نحو نصف مليار دولار سنوياً، لتمويل برامج لتدريب وتجهيز قوات الأمن اليمنية تحت عنوان مكافحة تنظيم «القاعدة»، وقد شملت البرامج القوات الخاصة وخفر السواحل ووحدات مكافحة الإرهاب. وكشفت الوثائق أن أجهزة نظام صالح الاستخباراتية باتت إحدى نقاط الارتكاز الإقليمية في مكافحة الإرهاب، والتجسس على الدول المجاورة، ومنها السعودية.

بعد سقوط نظام صالح، وسيطرة «أنصار الله» على العاصمة، تمّ وضع اليد على المقدّرات العسكرية، ومن بينها ما تركه الأميركيون من أجهزة متقدّمة جداً، فيها ما يرتبط ببرامج التنصت، وملاحقة الطيف الإلكتروني، إلى جانب أرشيف كبير لسنوات من العمل الاستخباراتي. وقد تحدّث رجال الاستخبارات الأميركية مع أكثر من معني بملف اليمن عن هذا الأمر، وكانوا يسألون عن إمكانية «أنصار الله» في بناء ورش لصيانة تلك المعدات، أو العمل على مبدأ الهندسة العكسية.

ومع الوقت، كانت قوات «أنصار الله»، تعمل على بناء الوحدات الأمنية والاستخباراتية المتعددة المستويات، بما يسمح بتغطية معظم الأراضي اليمنية، بما فيها المناطق الخاضعة لحلفاء السعودية والإمارات، وهي عملية تفرض حكماً، بناء منظومة متكاملة من الاختصاصات. وبعد هيكلة القوات تحت راية الجيش اليمني، نجحت قوات «أنصار الله» في توفير البيئة العملانية لفرق الاستخبارات لرصد التهديدات والمخاطر، علماً أن التطور شمل أقساماً تعمل على قراءة المشهد اليمني، وتقدير الوضع إقليمياً ودولياً، ما سمح بإعداد تقارير دورية أو مستعجلة ورفعها إلى القيادات المعنية سياسياً أو عسكرياً، بما في ذلك خيارات العمل المُتاحة، بما يتيح اتخاذ القرار على أسس معلوماتية حديثة.

وفق هذه القاعدة، فإنه من غير المنطقي أن لا تكون السعودية وقواتها العسكرية والأمنية خارج إطار الرصد الاستخباراتي من جانب «أنصار الله». وهو رصد له جوانبه التقنية الخاصة بحركة سلاح الجو السعودي، والتواصل مع المجموعات العاملة مع السعودية، وعمليات نقل الأسلحة أو التدريب وخلافه، وصولاً إلى تشكيل بنك أهداف متنوّعة داخل السعودية للتعامل معه وفق مقتضيات المعركة. وهو بنك لا يقتصر على أهداف عسكرية، بل يركّز أساساً على الأهداف الاستراتيجية بالنسبة إلى الحكم السعودي.
وكان لهذا التقدم، الدور المركزي، في منع السعودية من إنكار دورها في الدعم الجوي لمجموعاتها في أرض المعركة، ذلك أن الأميركيين أنفسهم، قالوا للسعودية، إن هناك بنية تقنية يمكن لـ«أنصار الله» من خلالها التعرف إلى كل حركة الطيران السعودي في أجواء اليمن، وحتى داخل الأجواء السعودية.

*درس المعركة البحرية مع أميركا*

في المعركة البحرية مع الولايات المتحدة، لم يكن التحدي اليمني قائماً على امتلاك قوة بحرية تقليدية قادرة على مجابهة الأسطول الأميركي، بل على بناء منظومة استخباراتية وعملياتية تسمح لصنعاء بمعرفة تحركات الخصم من جهة، وعلى إخفاء قدراتها، وتغيير مواقعها، والحفاظ على عنصر المفاجأة من جهة ثانية. وهذا ما جعل البحر الأحمر مختبراً صعباً للبحرية الأميركية، ولا سيما مع اضطرار القطع البحرية والحاملات إلى العمل في بيئة تهديد مستمرة. وقال ضباط أميركيون لاحقاً، إنهم كانوا يضطرون إلى العمل على مدار الساعة كون «أنصار الله» لا تتوقف عن القيام بالعمليات المضادة.

أهمية الاستخبارات اليمنية هنا، تكمن في كونها لم تكن منفصلة عن العمليات العسكرية؛ فالمعلومة تتحوّل سريعاً إلى قرار. وفي المقابل، كان العمل على برامج التمويه، ما خلق عجزاً عند الأميركيين، ولم يعد بمقدورهم الحصول على صورة دقيقة ومُحدثة عن مواقع وقدرات «أنصار الله»، ما أدّى إلى تراجع قدرة وفعالية التفوّق التكنولوجي لدى الأميركيين. وقد شكّلت المعلومات المضلّلة التي تصل إلى الجانب الأميركي، والفشل في الوصول إلى قيادات وأهداف يمنية، أحد أسباب إعادة النظر في الاستراتيجية الأميركية. ذلك أن القوات الأميركية لم تعد تواجه هدفاً ثابتاً، يمكن تدميره ثم إعلان انتهاء المهمة، بل منظومة قادرة على الاختفاء وإعادة الظهور وتغيير أساليب العمل واستنزاف الخصم على مدى زمني طويل.

وفق هذا المنظور أفشلت الخطة اليمنية التفوّق البحري الأميركي. وظلت واشنطن مضطرة إلى التعامل مع تهديد متحرّك وغير واضح بالكامل، وظهرت هشاشة الفرضية لدى القوة البحرية التقليدية أمام الصواريخ والمُسيّرات، ما يسمح بالقول إن نجاح الجهد الاستخباراتي اليمني، لا يُقاس بعدد الأهداف التي جرى كشفها أو ما تمّ إحباطه، بل في منع البحرية الأميركية من تكوين صورة استخبارية كافية لإنهاء التهديد البحري، حتى وصل الأمر إلى مستوى جعل قوة بحرية محدودة، تنجح عبر المرونة والمعلومات أن تفرض على قوة بحرية عظمى معادلة مختلفة. ويكفي الإشارة إلى ما ردّده الأميركيون لاحقاً، عن نجاح «أنصار الله» في إجبار حاملة الطائرات على المناورة، وتعطيل النمط التقليدي لعملياتها، وجعل استهدافها احتمالاً قائماً كل الوقت.

لعل أكثر ما يكشف طبيعة الحرب الاستخبارية التي رافقت المعركة البحرية، اتهام أميركا شركة الأقمار الاصطناعية الصينية «تشانغ غوانغ» بتزويد «أنصار الله» بصور مكّنتها من استهداف القطع الحربية الأميركية، إضافة إلى رصد حركة كل السفن الدولية في البحر الأحمر.

*مواجهة التفوّق الجوي والاستخباري للعدو*

قد لا يكون معروفاً لدى كثيرين، أن الجانب العقدي لـ«أنصار الله»، يركّز على فكرة الهجوم كوسيلة رئيسية للدفاع أو تحقيق مكاسب. ومفردة الدفاع تغيب عن قاموسهم بشكل كبير. لكن تشارك الخبرات مع الحلفاء في محور المقاومة، أدخل إلى قاموسهم العسكري مفردة «الدفاع السلبي»، كونه من عناصر الصمود العسكري في مواجهة تفوّق العدو في الاستطلاع والضربات الجوية. وهي منظومة لا تقتصر على الدفاعات الجوية، بل تتركز على الإجراءات التي تعقّد مهمة العدو في الوصول إلى الأهداف العسكرية.

وقد استفادت «أنصار الله» من تجارب سابقة، وكذلك من ما ورثته من بنى تحتية كان علي عبد الله صالح قد أقامها في زمن سابق، ما ساعد على إخفاء القدرات العسكرية وتمويهها وتوزيعها في أكثر من منطقة، وكذلك الحد من إمكانية رصدها وتعقّبها. وهو ما ظهر خلال الحرب مع السعودية ثم مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث لم يتمكن هؤلاء من تحديد الأهداف بدقّة، وقد اعترف العسكريون الأميركيون بقدرة «أنصار الله» في عمليات التمويه والخداع والتحصين، بما في ذلك تقليص «البصمة التقنية» التي تتيح للخصم اكتشافها واستهدافها.

وقد ساعد في ذلك، الطبيعة اليمنية التي تتميّز بمساحات واسعة وتضاريس جبلية ومُعقّدة، تتيح القدرة على إخفاء قدرات «أنصار الله» وإعادة توزيعها، ما يصعّب مهمة الاستطلاع عند العدو. وقد استفادت قيادة «أنصار الله» من شبكة الأنفاق التي أقامها صالح بالقرب من صنعاء. وهي أنفاق سبق لنائب صالح الأسبق علي سالم البيض أن تحدّث عنها، يوم اصطحبه صالح في جولة تحت الأرض خرج منها مذهولاً بحجم البنى التحتية، واصفاً ما شاهده بأنه مدن تحت الأرض، علماً أن الأميركيين والإسرائيليين قالوا إنهم رصدوا شبكة أنفاق مُستحدثة في الشمال وبالقرب من الحدود السعودية. ونشرت وكالات أجنبية صوراً لمداخل الأنفاق في الشمال باعتبارها قلاعاً لا يمكن كسرها، على رغم أن بعض هذه الأنفاق تعرّضت لعشرات الغارات الأميركية بالقنابل الارتجاجية



نقلا عن صحيفة الأخبار اللبنانية
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 15-سبتمبر-2026 الساعة: 11:02 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-110109.htm