صنعاء نيوز -
رامي الشمري
15-6-2026
كيف أعادت إيران وحلفاؤها صياغة النفوذ في المنطقة
لسنوات طويلة، تعامل كثير من خصوم إيران مع نفوذها الإقليمي باعتباره شبكة يمكن تفكيكها بضرب قياداتها أو استهداف قوى المقاومة واحدة تلو الأخرى.
لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة يقدم قراءة مختلفة تماما.
فكلما تعرضت المنظومة لضربة، لم تكتف بالبحث عن التعويض، بل بدت أكثر قدرة على التعلم من الضربة نفسها، وإعادة تنظيم أدواتها بطريقة تجعل تكرارها أكثر صعوبة.
وهنا تكمن إحدى أهم التحولات الاستراتيجية في المنطقة:
إيران لم تعد تبني نفوذها على قوة ذراع واحدة، بل على قدرة منظومة واسعة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها على الاستمرار والتكيف وإعادة إنتاج القوة.
وهذه ليست مسألة عدد.
إنها مسألة هندسة.
من القائد إلى المنظومة
كان القائد الشهيد قاسم سليماني والحاج الشهيد أبو مهدي المهندس من أبرز الشخصيات التي جسدت مرحلة كاملة من إدارة الملفات الإقليمية.
وكان استشهادهما، إلى جانب استشهاد قادة وشخصيات أخرى في إيران والعراق ولبنان واليمن، اختبارا قاسيا لأي منظومة تعتمد بصورة كبيرة على القيادات المركزية.
لكن اللافت أن النتيجة لم تكن انهيار البنية.
بل ظهر درس استراتيجي مختلف:
إذا كانت المنظومة تعتمد على شخص واحد، فإن غيابه قد يربكها؛ أما إذا كانت قادرة على توزيع الخبرة والقرار، فإن غياب الشخص يتحول إلى انتقال للوظيفة، لا إلى نهاية للدور.
ومن هنا بدأت أهمية الانتقال من القيادة المركزية إلى تعدد مراكز القرار، وتوزيع الملفات، وتوسيع دائرة الفاعلين.
ومن أبرز ما تكشفه هذه المرحلة في عهد المرشد الإيراني اتساع دوائر إدارة الملفات وتعدد مراكز التأثير، بما يمنح المنظومة قدرة أكبر على امتصاص الصدمات وعدم ربط مصيرها بشخص واحد أو مركز واحد.
وهنا تحديدا تبدأ قصة التحول.
العراق… حيث ظهرت الخبرة بأوضح صورها
وإذا كان لا بد من اختيار ساحة تكشف هذا التحول بأوضح صوره، فإن العراق يأتي في مقدمتها.
فالقوى العراقية لم تعد مجرد تشكيلات ميدانية.
لقد راكمت خلال سنوات طويلة خبرة عسكرية وأمنية وسياسية واجتماعية، وتحولت أجزاء منها إلى قوى مؤثرة داخل العملية السياسية والاقتصادية والمؤسساتية.
وهذه نقطة مهمة في قراءة التجربة.
فالقوة التي تستطيع أن تعمل في الميدان، وتشارك في السياسة، وتبني مؤسسات، وتحافظ على حضور اجتماعي، وتتفاعل مع البيئة الإقليمية، تصبح أكثر تعقيدا من أن تختصر بكلمة «فصيل».
ولهذا فإن التجربة العراقية تمثل مساحة شديدة الأهمية لتطوير نموذج أكثر تعقيدا من النفوذ الإقليمي؛ لأنها تجمع في مكان واحد بين السلاح والسياسة والاقتصاد والمؤسسات والحدود والمجتمع.
وهنا تكمن خصوصية العراق.
من الأذرع إلى الشبكات
بحسب معلومات خاصة، فإن عدد التشكيلات التي ظهرت أو أعيد تنظيمها خلال هذه المرحلة يتجاوز 64 تشكيلا.
لكن أهمية هذه المعلومة لا تكمن في الرقم بوصفه إحصاء نهائيا، وإنما في الاتجاه الذي يكشفه:
لم تعد المنظومة تراهن على ذراع واحدة أو فصيل واحد، بل على قدرة متزايدة على إعادة إنتاج القوة في أكثر من ساحة، وبأسماء متعددة، وبمستويات مختلفة من التنظيم والارتباط.
وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط القوة إثارة للاهتمام:
قابلية إعادة الإنتاج.
فإذا غاب قائد، يمكن أن يظهر قائد آخر.
وإذا تغيرت وظيفة فصيل، يمكن أن تنتقل الوظيفة إلى فصيل آخر.
وإذا تغيرت ظروف ساحة، يمكن أن تنتقل الأولوية إلى ساحة أخرى.
وهذا يعني أن القوة لم تعد مرتبطة بشخص أو تنظيم بقدر ارتباطها بخبرة متراكمة تستطيع المنظومة إعادة توزيعها.
وهذه في حد ذاتها ميزة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
فالفكرة لم تعد في امتلاك أذرع كثيرة، وإنما في امتلاك القدرة على إنتاج الأذرع حين تتغير الحاجة والظروف.
وهنا يصبح استهداف طرف من المنظومة أقل تأثيرا إذا كانت المنظومة نفسها قادرة على إعادة تشكيل أطرافها.
أنصار الله… من قوة محلية إلى لاعب إقليمي
وفي اليمن، تبدو الصورة أكثر وضوحا.
أنصار الله ليسوا مجرد جماعة تنتظر توجيها خارجيا.
إنهم قوة يمنية ذات قرار مستقل، تمتلك حساباتها المحلية ومشروعها السياسي والعسكري، واستطاعت خلال سنوات الحرب أن تنتقل من قوة محلية إلى لاعب إقليمي حاضر في الحسابات الدولية.
وفي الوقت نفسه، لم تمنع العلاقة الاستراتيجية مع إيران من احتفاظهم بقرارهم المستقل وحساباتهم اليمنية الخاصة، بل وفرت مساحة واسعة لتقاطع المصالح والخبرات والإمكانات.
وهنا تكمن أهمية التجربة اليمنية.
فالقوة التي تنطلق من بيئتها المحلية، وتمتلك قرارها، ثم تدخل إلى المجال الإقليمي، تكون أكثر صعوبة في الاحتواء من قوة لا تستطيع الحركة إلا عبر مركز خارجي.
لقد استطاع أنصار الله أن يجعلوا من موقع اليمن الجغرافي ورقة استراتيجية بحد ذاته، وأن يحولوا باب المندب والبحر الأحمر من مجرد جغرافيا إلى عنصر حاضر في حسابات الأمن والطاقة والتجارة الدولية.
وهذا بحد ذاته تطور يستحق الدراسة بعيدا عن الاختزال السياسي.
حين تصبح الجغرافيا قوة
وهنا نصل إلى أحد أكثر التحولات أهمية في التفكير الاستراتيجي الإيراني وحلفائه:
تحويل الجغرافيا إلى قوة.
إيران تمتلك موقعا مباشرا على مضيق هرمز.
وأنصار الله، من موقعهم اليمني، يمتلكون القدرة على التأثير في باب المندب والبحر الأحمر.
لا يعني ذلك أن طرفا واحدا يسيطر على المضيقين، بل يعني أن شبكة واسعة من القوى المتحالفة والمتقاطعة المصالح أصبحت قادرة على امتلاك أوراق ضغط في نقاط جغرافية شديدة الحساسية.
وهذه ميزة استراتيجية كبيرة.
فالمسافة بين الخليج واليمن والعراق لم تعد تعني بالضرورة الفصل بين الساحات.
بل يمكن أن تتحول المسافات نفسها إلى شبكة مترابطة.
فالجغرافيا التي كانت في الماضي تحدد حدود الحركة، يمكن أن تصبح اليوم جزءا من أدوات التأثير.
العراق في قلب المعادلة
وهنا يعود العراق إلى مكانه الطبيعي في هذه الصورة.
فالعراق يقع في نقطة تصل الخليج بالشام وتركيا، ويملك حدودا ومسارات ومصالح اقتصادية وطاقية تجعل موقعه يتجاوز الحساب الداخلي.
كما أن القوى العراقية التي راكمت خبرة واسعة في مواجهة التهديدات خلال السنوات الماضية لم تعد تنظر إلى الأمن بوصفه ملفا محليا فقط.
وعندما تتقاطع خبرة العراق مع موقع إيران الجغرافي، وخبرة اليمن في البحر الأحمر، تصبح المنطقة أمام نموذج مختلف:
قوى متعددة، في جغرافيات مختلفة، قادرة على إسناد بعضها سياسيا وأمنيا واستراتيجيا، من دون أن تفقد بالضرورة خصوصية كل ساحة.
وهذه إحدى أهم نقاط القوة في النموذج الجديد.
فالقوة لا تحتاج دائما إلى أن تتحرك من مركز واحد.
أحيانا يكفي أن تكون هناك مصالح مشتركة، وخبرة متبادلة، وقدرة على فتح أكثر من مسار في الوقت نفسه.
وهنا تصبح الجغرافيا شبكة، ويصبح اختلاف الساحات جزءا من قوة المنظومة لا نقطة ضعف فيها.
إيران… من إدارة النفوذ إلى هندسته
ربما يكون من الظلم اختصار التجربة الإيرانية في المنطقة بفكرة «دعم الفصائل».
فهذا الوصف، حتى لو كان صحيحا في جزء منه، لا يشرح الصورة كاملة.
ما حدث على مدى عقود هو بناء خبرة متراكمة في كيفية العمل في بيئات مختلفة، وكيفية بناء التحالفات، وكيفية تحويل الحلفاء إلى شركاء في معادلات الأمن والسياسة، وكيفية الجمع بين الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والجغرافية.
وهنا تبدو أهمية التجربة الإيرانية.
فإيران لم تبن نفوذها في المنطقة خلال سنوات قليلة، بل راكمت عبر عقود شبكة واسعة من العلاقات والخبرات والمصالح، واختبرت نماذج مختلفة من العمل والتنسيق في بيئات متباينة.
وقد تكون هذه الشبكة تعرضت لخسائر كبيرة، لكنها أثبتت قدرة لافتة على التكيف.
وهذا ربما هو أهم ما يجب أن يقرأه خصومها بعناية:
أن القوة التي تستطيع التعلم من خسائرها تصبح أكثر صعوبة على الخصم من قوة لا تتغير.
النموذج ليس بلا تحديات
ومع ذلك، فإن قوة الشبكات لا تعني غياب نقاط الضعف.
فالحلفاء المستقلون يمتلكون حساباتهم، والساحات المختلفة لها أولوياتها، وكل توسع في النفوذ يرفع أيضا تكلفة الإدارة والتنسيق.
كما أن التمويل والاتصالات والطرق والإمداد والغطاء السياسي تبقى عناصر يمكن الضغط عليها.
لكن هذه التحديات لا تلغي حقيقة أساسية:
المنظومة التي تتعلم من أخطائها تصبح أصعب على الخصم من منظومة لا تتغير.
ولهذا فإن استشهاد قادة كبار لم يكن نهاية التجربة.
وخسارة مواقع لم تعن بالضرورة نهاية النفوذ.
والضغط العسكري لم يؤد دائما إلى التراجع، بل دفع في بعض الحالات إلى إعادة التفكير في شكل القوة نفسها.
وهذه ربما تكون إحدى أهم سمات التجربة: القدرة على تحويل الضربة من نهاية محتملة إلى فرصة لإعادة التنظيم.
من محور إلى منظومة
لقد تطور مفهوم «محور المقاومة» نفسه، ولم يعد من الدقة قراءته بالصور التي تشكلت في بداياته.
فالقوة لم تعد مجرد مجموعة قوى تقف في صف واحد.
بل منظومة تضم قوى تختلف في بنيتها وبيئاتها وأولوياتها ودرجة استقلالها، لكنها تلتقي عند مصالح استراتيجية كبرى.
إيران لها مشروعها وحساباتها.
العراق له خصوصيته.
أنصار الله لهم مشروعهم اليمني وقرارهم المستقل.
وحزب الله له تجربته وبيئته.
لكن تعدد هذه الخصوصيات لا يمنع وجود مساحات واسعة من التعاون والتنسيق والتقاطع.
وهنا تكمن قوة الشبكة:
أنها لا تحتاج إلى أن يكون جميع أعضائها متطابقين حتى تعمل.
بل ربما يكون اختلافهم جزءا من قدرتها على البقاء.
فالتنوع داخل المنظومة يمنح كل ساحة قدرة على العمل وفق ظروفها، وفي الوقت نفسه يسمح بتقاطع المصالح عندما تتطلب المعركة ذلك.
الاختبار الحقيقي… العراق
لكن في النهاية، يبقى العراق أمام السؤال الأصعب.
فالمنطقة تتغير، ومفهوم القوة يتغير، والشبكات أصبحت أكثر تعقيدا.
أما الدولة، فلا تستطيع أن تنافس هذه الشبكات بلغتها نفسها.
قوة الدولة ليست في كثرة العقد التي تمتلكها، بل في قدرتها على أن تكون هي المرجعية النهائية للقرار.
وهنا تحديدا سيظهر مستقبل العراق.
هل تستطيع الدولة أن تستوعب القوة والخبرة المتراكمة داخل مؤسساتها، وتحولها إلى قوة وطنية منظمة؟
هل تستطيع أن تجعل السلاح جزءا من قرار الدولة، لا قرارا موازيا لها؟
وهل تستطيع أن تحافظ على علاقاتها الإقليمية من موقع الدولة، لا من موقع الساحة؟
هذه الأسئلة ستحدد إن كان العراق سيبقى مختبرا للصراعات الإقليمية، أم يتحول إلى دولة قادرة على توظيف موقعها وثقلها وخبرتها لصالحها.
والأهم أن قوة الدولة لا تعني إلغاء الخبرات المتراكمة، بل القدرة على تنظيمها وتوجيهها ضمن مشروع وطني جامع.
الخلاصة
القوة الحقيقية لا تظهر فقط عندما تستطيع أن تضرب.
بل عندما تستطيع أن تتعلم، وتتغير، وتعيد بناء نفسها بعد الضربة.
وهذا ربما هو الدرس الأهم في التجربة الإيرانية وحلفائها خلال العقود الماضية.
لقد حاول خصومهم استهداف القيادات.
فانتقلت المنظومة إلى تعدد المراكز.
حاولوا إضعاف القوى الحليفة.
فأصبحت القوة أكثر انتشارا وتنوعا.
حاولوا عزل الساحات عن بعضها.
فأصبحت الجغرافيا نفسها جزءا من شبكة التأثير.
ولهذا فإن السؤال لم يعد:
كم فصيلا تمتلك إيران؟
بل:
كم مرة تستطيع هذه المنظومة أن تعيد إنتاج قوتها؟
لأن القوة التي تستطيع إعادة إنتاج نفسها بعد كل ضربة لا تقاس بعدد رجالها فقط، ولا بعدد أسلحتها، ولا بعدد تنظيماتها.
إنها تقاس بقدرتها على البقاء والتكيف وإعادة التشكل.
وفي المقابل، يبقى التحدي الأكبر أمام العراق هو أن يعيد إنتاج قوة الدولة نفسها: دولة تمتلك قرارها، وتعرف كيف تستثمر موقعها، وتستوعب قوتها الاجتماعية والسياسية والأمنية، وتضعها جميعا في إطار مشروع وطني جامع.
وعندما تصل القوة إلى هذه المرحلة، لا يعود الصراع مجرد مواجهة بين دولة وفصيل، بل يصبح صراعا بين دولة ومنظومة نفوذ كاملة. |