صنعاء نيوز -
بقلم: فرامرز صفا
مع اقتراب نهاية عام 2026، تشهد إيران واحدة من أكثر المراحل قتامة في سجلها الحقوقي خلال السنوات الأخيرة. فبعد الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في يناير/كانون الثاني الماضي، صعّدت السلطات الإيرانية حملات القمع، لتترافق موجة الاعتقالات والمحاكمات السياسية مع ارتفاع لافت في أحكام الإعدام وتنفيذها، وسط تحذيرات متزايدة من المنظمات الحقوقية بشأن أوضاع السجناء السياسيين والناشطين، ولا سيما النساء والشباب.
لم تعد قضية حقوق الإنسان في إيران تقتصر على القيود السياسية أو التضييق على الحريات المدنية، بل باتت تعكس منظومة متكاملة من القمع تشمل الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري والمحاكمات التي تفتقر إلى الضمانات القانونية الأساسية. ويزداد القلق مع توظيف عقوبة الإعدام بصورة أوسع ضد المتهمين في القضايا السياسية والمرتبطة بالاحتجاجات الشعبية.
النساء بين المقاومة والاستهداف
تظل النساء في صلب المواجهة الدائرة داخل إيران. فإلى جانب استمرار التمييز القانوني في مجالات الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال، ما تزال سياسة الحجاب الإجباري تمثل إحدى أبرز أدوات السيطرة الاجتماعية والسياسية.
وخلال الأعوام الماضية، جرى توسيع آليات تطبيق التشريعات المتعلقة بالحجاب لتشمل إجراءات عقابية متنوعة تتجاوز الغرامات المالية، وصولاً إلى الحرمان من بعض الخدمات العامة والقيود على العمل والتعليم. كما تم تكليف مؤسسات حكومية وهيئات عامة وأصحاب الأعمال بأدوار رقابية وتنفيذية، الأمر الذي وسّع نطاق الضغوط المفروضة على النساء.
وفي الوقت نفسه، تواجه الناشطات والمدافعات عن الحقوق المدنية حملات ملاحقة متزايدة، فيما صدرت أحكام قاسية ضد عدد من النساء المرتبطات بملفات الاحتجاجات الأخيرة، بما في ذلك أحكام بالإعدام والسجن لفترات طويلة.
ولا تقتصر تداعيات حملة الإعدامات على الرجال، إذ تشير التقارير الحقوقية إلى تزايد عدد النساء اللواتي أُعدمْن أو يواجهن خطر تنفيذ أحكام الإعدام بحقهن، في تطور يثير قلقاً متنامياً داخل الأوساط الحقوقية الدولية.
الشباب في مرمى المشانق
أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق يتمثل في استهداف الشباب الذين شاركوا أو اتُّهموا بالمشاركة في الاحتجاجات الشعبية. فقد وثقت منظمات حقوقية عشرات حالات الإعدام ذات الطابع السياسي منذ أوائل عام 2026، بينها عدد من القضايا المرتبطة مباشرة بالاحتجاجات.
وتضم قوائم المحكومين شباناً في مقتبل العمر، بعضهم لم يتجاوز الثامنة عشرة أو أوائل العشرينيات. كما أيدت المحاكم العليا أحكام إعدام بحق مجموعات من المحتجين في قضايا جماعية أثارت انتقادات واسعة من المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين شككوا في نزاهة الإجراءات القضائية وفي صحة الاتهامات الموجهة إليهم.
ويرى مراقبون أن اللجوء المكثف إلى الإعدام يعكس محاولة من السلطات لردع أي موجة احتجاج مستقبلية، عبر توجيه رسائل ترهيب للمجتمع، خصوصاً لفئة الشباب التي لعبت دوراً بارزاً في التعبئة والتنظيم خلال الاحتجاجات الأخيرة.
أرغوان فلاحي.. نموذج للخطر المتصاعد
تبرز قضية السجينة السياسية أرغوان فلاحي بوصفها مثالاً على واقع السجينات السياسيات في إيران. فقد حُكم على الناشطة الشابة بالإعدام بعد أشهر من الاحتجاز والاستجواب الطويل، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً بين النشطاء والمنظمات الحقوقية.
وتقول تقارير حقوقية إن فلاحي تعرضت لفترات طويلة من العزل الانفرادي والضغوط النفسية والجسدية قبل صدور الحكم، فيما أُغلقت معظم السبل القانونية المتاحة أمامها بعد تثبيت الحكم ورفض طلبات إعادة النظر فيه، ما جعلها تواجه خطراً مباشراً بالتنفيذ.
قمع يتجاوز الإعدامات
ترتبط حملة الإعدامات الراهنة بسياق أوسع من الانتهاكات. فالتقارير الواردة من السجون الإيرانية تتحدث عن مداهمات عنيفة للأقسام، وسوء أوضاع الاحتجاز، وحرمان المرضى من الرعاية الطبية، إضافة إلى ضغوط متزايدة على السجناء السياسيين وعائلاتهم.
كما أدت القيود المفروضة على الإنترنت والاتصالات إلى صعوبة توثيق الانتهاكات ونقل المعلومات إلى الخارج، الأمر الذي يزيد من هشاشة أوضاع المعتقلين ويحد من قدرة المؤسسات الحقوقية على المتابعة والمراقبة.
في المحصلة، تبدو أزمة حقوق الإنسان في إيران اليوم نتاج تداخل ثلاثة عناصر رئيسية: القمع السياسي، والتمييز ضد النساء، والتوسع في استخدام عقوبة الإعدام. ومع استمرار تنفيذ الأحكام بحق محتجين وشباب وسجينات سياسيات، تتزايد الدعوات الدولية للضغط على السلطات الإيرانية من أجل وقف الإعدامات وضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة واحترام المعايير الأساسية للعدالة وحقوق الإنسان.
|