صنعاء نيوز - ليست كل مظاهر القوة دليلاً على القوة، كما أن ارتفاع منسوب القمع لا يعني بالضرورة أن السلطة باتت أكثر أمناً. وفي إيران تحديداً

الأحد, 27-سبتمبر-2026
صنعاء نيوز -


نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
ليست كل مظاهر القوة دليلاً على القوة، كما أن ارتفاع منسوب القمع لا يعني بالضرورة أن السلطة باتت أكثر أمناً. وفي إيران تحديداً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ فكلما رفعت منظومة الحكم منسوب الردع، وكثفت الاعتقالات والإعدامات والتعبئة الأمنية، بدا أن هاجساً واحداً يزداد حضوراً في حساباتها: الخوف من عودة الشارع إلى المعادلة.
فإيران التي تحاول أن تظهر بمظهر الدولة المتماسكة، تقف في الحقيقة أمام تراكم ثقيل من الأزمات: اقتصاد يرزح تحت وطأة العقوبات والضغوط، تضخم وارتفاع في الأسعار، أزمات معيشية متفاقمة، وتوتر الاجتماعي لم تنجح الإجراءات الأمنية في اقتلاع جذوره. وفي مثل هذه البيئة، لا تحتاج الانتفاضة بالضرورة إلى صناعة غضب جديد؛ إذ يكفي أحياناً أن تأتي الشرارة في اللحظة المناسبة.
ولهذا تبدو الإعدامات المتصاعدة أكثر من مجرد أحكام قضائية منفصلة؛ فقد وثقت منظمات حقوقية الدولية تنفيذ السلطات أحكام إعدام بحق محتجين ومعارضين لترهيب المجتمع وإخماد أي تحرك معارض. وفي هذا السياق، وثقت منظمة العفو الدولية حالات مرتبطة باحتجاجات يناير/كانون الثاني 2026، فيما تحدثت "هيومن رايتس ووتش" عن استمرار حملة الإعدامات بحق المحتجين.
وفي امتداد هذا الحراك الحقوقي والسياسي، وتأكيداً على هذه الوقائع، وجهت السيدة مريم رجوي في 22 سبتمبر/أيلول رسالة إلى آلاف الإيرانيين من أنصار المقاومة المحتشدين أمام مقر الأمم المتحدة والذين رفعوا شعارات "لا للإعدام" و"أوقفوا الإعدامات في إيران"، حيث قالت: "إن صرختكم في هذا التجمع أمام الأمم المتحدة تمثل احتجاجاً صريحاً على استقبال رئيس الفاشية الدينية في الجمعية العامة، وهو الذي يمثل نظام الإعدامات والمجازر. وإن سؤالنا الموجه للمجتمع الدولي هو: لماذا تغمضون أعينكم عن جرائم هذا النظام؟ ألم تروا دموع الشعب الإيراني والعالم بعد مقتل الآلاف من المحتجين في يناير الماضي؟ أونسكتم أن هذا النظام قد أُدين 72 مرة في الجمعية العامة وهيئات الأمم المتحدة بسبب انتهاكاته الصارخة لحقوق الإنسان؟ ولماذا تتجاهلون تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة لعام 2024 الذي أكد أن إعدامات الثمانينيات ومجزرة عام 1988 تمثل جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية؟ ولماذا لا تولون اهتماماً لتقرير منظمة العفو الدولية الأخير الذي يؤكد ارتكاب سلطات الملالي جرائم ضد الإنسانية عام 2022؟ بل لماذا تتجاهلون التقرير الصادر قبل أيام عن لجنة تقصي الحقائق الدولية المستقلة والذي وصف قتل المتظاهرين في يناير 2026 بأنه جريمة ضد الإنسانية؟"
وهنا تتكشف إحدى أكثر مفارقات المشهد الإيراني وضوحاً: فالنظام الذي يملك أجهزة أمنية واسعة، ويستطيع اعتقال المحتجين وإصدار أحكام الموت، لا يزال يتصرف كما لو أن الاحتجاج القادم قد يكون أخطر من السابق.
فالسلطة لا تواجه غضباً اجتماعياً وحسب، وإنما تواجه أيضاً تراكمات سياسية عميقة. وبينما تتحدث مؤسسات الحكم عن الوحدة والتماسك، تظهر من حين إلى آخر خلافات وانتقادات متبادلة حول الاقتصاد وإدارة الموارد والسياسة الخارجية. وكلما اتسعت دائرة المشكلات، ازدادت صعوبة إخفائها خلف خطاب التعبئة والمواجهة الخارجية.
وفي الخارج، لا تبدو طهران أقل توتراً؛ فالملف النووي عاد إلى واجهة الضغوط الدولية، والعقوبات والتهديد بإعادة تفعيل آلياتها يضعان الاقتصاد الإيراني أمام اختبارات إضافية. كما أن التوترات الإقليمية تمنح النظام أوراقاً للمساومة، لكنها في الوقت نفسه تفتح أمامه أبواباً جديدة من المخاطر.
وهكذا تتقاطع الجبهات: أزمة اقتصادية في الداخل، ضغط دولي في الخارج، توتر إقليمي، وصراع سياسي لا تختفي مؤشراته خلف الخطاب الرسمي. لكن العامل الأكثر حساسية يبقى الشارع الإيراني؛ فحتى عندما تخفت الاحتجاجات، لا يعني ذلك أن أسبابها قد اختفت، وقد يكون الهدوء في مجتمع مثقل بالأزمات مجرد مرحلة مؤقتة، لا نهاية للصراع.
ومن هنا يمكن فهم الاستنفار الأمني والتعبئة المتواصلة بوصفهما جزءاً من معركة أوسع تخوضها السلطة لمنع انتقال السخط من حالة اجتماعية متفرقة إلى فعل جماعي واسع. غير أن المشكلة التي تواجهها طهران هي أن الأمن يستطيع السيطرة على الميدان، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة أسباب الغضب.
وهذه هي النقطة التي تبدو الأكثر إرباكاً للنظام: يمكن إعدام المحتج، واعتقال الناشط، وتفريق التجمع، وتشديد الرقابة؛ لكن لا يمكن إعدام الأزمة نفسها. لذلك فإن معركة النظام الحقيقية ليست مع احتجاج واحد، وإنما مع تراكم طويل من الأزمات التي تتغذى من بعضها بعضاً. وكلما طال أمد المعالجة الأمنية، بقي السؤال مفتوحاً حول اللحظة التي قد تتحول فيها الشرارات المتناثرة إلى حريق سياسي واسع.
إن إيران تقف اليوم أمام معادلة لا تخلو من المفارقة: سلطة تشدد قبضتها لأنها تخشى الانفجار، ومجتمع يعيش ضغوطاً قد تجعل الانفجار ممكناً. وبين الطرفين يبقى المستقبل مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكن المؤكد أن الهدوء الذي تفرضه القوة ليس بالضرورة استقراراً، والقمع الذي ينجح في إسكات الشارع مؤقتاً لا يضمن أن الشارع قد نسي طريق العودة إلى الميدان.
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 27-سبتمبر-2026 الساعة: 05:46 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-110265.htm