صنعاء نيوز - *14 أكتوبر.. حين كتب اليمنيون قانون الحرية بدمائهم*
بقلم: الدكتور فيصل سعيد حمود المخلافي
لم تكن ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963 مجرد رصاصة أطلقها الشهيد راجح بن غالب لبوزة من قمم ردفان، بل كانت انفجاراً حتمياً لقانون تاريخي لا يتبدل، فكلما اشتد القهر الاستعماري الذي جثم على عدن 129 عاماً، ولد نقيضه الثوري، وهذا ما تثبته نظريات الصراع الاجتماعي. لقد تحول الحرمان والفقر ونهب الثروات إلى طاقة جمعية هائلة، تلك الطاقة التي يسميها علم الباراسيكولوجي بالإرادة الخارقة، حين تتوحد نية شعب بأكمله على هدف واحد، فتتحول البنادق البدائية إلى صواريخ يقين تدك إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.
إن أكتوبر في جوهرها مدرسة تربوية وأخلاقية ودينية متكاملة، فقد أعادت للإنسان اليمني كرامته المسلوبة وغرسـت فيه أن الحرية لا تُمنح كهبة بل تُنتزع انتزاعاً، وهو ما يتطابق مع هندسة الأنظمة التي تؤكد أن أي نظام احتلال هو نظام مغلق مصيره التفكك إذا ما تعرض لصدمة ثورية منظمة. وقد كانت تلك الثورة تجسيداً حياً لقول الله تعالى {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} وقوله {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}، ولقول رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده"، وهل هناك منكر أعظم من احتلال الأرض واغتصاب السيادة.
ومن يقرأ المستقبل يدرك لماذا قامت أكتوبر، فمن يملك عدن وباب المندب يملك قلب التجارة العالمية ومفتاح الأمن القومي، ولذلك كان تحرير الجنوب تأميناً لمستقبل اليمن كله. واليوم، ونحن نعيش فصولاً جديدة من ذات الصراع، نرى الاحتلال يعود بأسماء وأدوات جديدة، يخرج من الباب بزيه البريطاني ليعود من النافذة بعباءة إماراتية إسرائيلية تتمركز في سقطرى وميون، وتدفع بمشاريع انفصالية ممزقة تريد وأد الوحدة التي كانت هي الثمرة الكبرى لثورتي سبتمبر وأكتوبر وتوجت في 22 مايو 1990. إن الدعوة للانفصال اليوم ليست رأياً سياسياً، بل هي خيانة مباشرة لدماء شهداء ردفان وطعنة في خاصرة المشروع التحرري، وخدمة مجانية للمشروع الصهيوني الذي لا يريد يمناً موحداً قوياً يتحكم بمضيق باب المندب ويهدد كيانه في البحر الأحمر، بل يريد كنتونات ضعيفة متناحرة.
إن رسالة أكتوبر المجيدة لجيل اليوم حماسية وواضحة: إذا كان آباؤنا قد انتصروا ببنادق قديمة على أعظم إمبراطورية في ذلك الزمان، فإن نصرنا اليوم على أدواتها الصغيرة أقرب وأوجب، فاليمني لا يركع إلا لله، والاحتلال مهما تلون وتجمل مصيره الطرد، والوحدة قدر والحرية عقيدة. |