صنعاء نيوز / بقلم د غسان شحرور -
رحل الطبيب الماليزي رونالد ستيفن مكوي Ronald Steven McCoy (1930-2026)، تاركا أثرا بارزا في الحركة العالمية المناهضة للأسلحة النووية. كان طبيبا وناشطا جمع بين المسؤولية المهنية والشجاعة الأخلاقية والرؤية الاستراتيجية، وأسهم في إطلاق واحدة من أهم المبادرات الدولية الهادفة إلى إنهاء عصر السلاح النووي. ويستوقف حضوره أن بلده قاده أيضا طبيب آخر هو مهاتير محمد Mahathir Mohamad، الذي ارتبط اسمه ببناء نهضة ماليزيا الحديثة.
على مدى أكثر من أربعة عقود، اضطلع الدكتور رون مكوي بدور قيادي في منظمة الأطباء الدوليين لمنع الحرب النووية International Physicians for the Prevention of Nuclear War، وشغل منصب الرئيس المشارك فيها. وقد انطلقت قناعته من تجربته الطبية المباشرة؛ فبعد إشرافه على آلاف حالات الحمل ومساهمته في ولادة نحو عشرين ألف طفل، أدرك التناقض العميق بين حماية الحياة في بداياتها وقبول عالم مهدد بأسلحة قادرة على إحداث دمار شامل. بالنسبة إليه، لم تكن الوقاية من الكوارث النووية قضية سياسية منفصلة عن مهنة الطب، بل امتدادا لمسؤولية الطبيب تجاه الحياة وصحة الأجيال القادمة.
بعد إخفاق مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 2005 في تحقيق تقدم ملموس، طرح مكوي خلال اجتماع قيادة المنظمة في هلسنكي Helsinki عام 2006 فكرة إطلاق حملة دولية جديدة لإلغاء الأسلحة النووية. وقد شكلت هذه المبادرة أحد الأسس التي قامت عليها الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية International Campaign to Abolish Nuclear Weapons، التي انطلقت عالميا عام 2007. وبفضل جهود الحملة وشبكة واسعة من منظمات المجتمع المدني، اعتمدت معاهدة حظر الأسلحة النووية Treaty on the Prohibition of Nuclear Weapons في الأمم المتحدة عام 2017، وهو العام الذي نالت فيه الحملة جائزة نوبل للسلام Nobel Peace Prize.
لم تكن ريادة مكوي محصورة في إطلاق المبادرات؛ فقد تميز بالتواضع واللطف والمثابرة، وبقدرته على تشجيع الأجيال الجديدة والاستماع للآخرين وبناء العمل الجماعي عبر الحدود والثقافات. وكان يؤمن بأن ما يعجز الأفراد عن تحقيقه منفردين يمكن أن يصبح ممكنا حين تتضافر الجهود وتتحد الإرادات.
وتعيد سيرة مكوي في ماليزيا إلى الأذهان محطات مضيئة لأطباء الضمير في آسيا، ممن كتبت عنهم في أكثر من مناسبة؛ بدءا من التضحيات الإنسانية الخالدة لأطباء هيروشيما في اليابان، مثل شونتارو هيدا Shuntaro Hida، الذين حولوا مأساة القنبلة إلى رسالة سلام عالمية، وصولا إلى النضال التاريخي للطبيب الفلبيني خوسيه ريزال José Rizal، الذي جعل من طب العيون والمشرط أداة لترسيخ حرية شعبه وكرامته، ودفع حياته ثمنا لذلك. إن ذكر هؤلاء الأطباء إلى جانب رون مكوي يجلّي حقيقة أساسية: أن الإرث الإنساني للطب ليس حكرا على جغرافيا دون أخرى، بل هو لغة عالمية مشتركة أثبت من خلالها أطباء من قلب آسيا أن رسالة الشفاء لا تنفصل عن الدفاع عن بقاء الإنسان وكرامته وحريته.
وتقدم تجربة مكوي درسا جوهريا لثقافة نزع السلاح الإنساني؛ فالأمن لا يقاس بامتلاك أدوات الدمار، بل بقدرة المجتمعات على حماية الحياة وصون الكرامة الإنسانية. فالمعاهدات والقوانين ضرورية، لكن استدامة أثرها تتطلب وعيا مجتمعيا والتزاما أخلاقيا ومشاركة فاعلة من المهنيين والمؤسسات المدنية.
إن الوفاء لإرث رون مكوي لا يقتصر على استذكار رائد من رواد نزع السلاح، بل يتمثل في مواصلة العمل الذي آمن به: بناء عالم تتقدم فيه سلامة الإنسان على امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ويصبح فيه أمن البشر، لا التهديد بتدميرهم، معيار الأمن الحقيقي
———
|