صنعاء نيوز - لم تكن المئة يوم الأولى من جولة التصعيد السعودي الأخيرة على اليمن سوى محطة جديدة لاختبار الوهم القديم؛ وهم إمكانية

السبت, 24-أكتوبر-2026
صنعاء نيوز -


أيوب أحمد هادي (كاتب صحفي مهتم بالشأن السياسي)

لم تكن المئة يوم الأولى من جولة التصعيد السعودي الأخيرة على اليمن سوى محطة جديدة لاختبار الوهم القديم؛ وهم إمكانية إخضاع الشعب اليمني عبر الضغط الاقتصادي والعسكري الممنهج. ففي منتصف يوليو من هذا العام، اختار النظام السعودي العودة إلى خيار التصعيد، متجاوزاً حالة اللا حرب واللا سلم، ليصطدم فوراً بصخرة صلبة تمثلت في جاهزية استراتيجية غير مسبوقة للقوات المسلحة اليمنية في حكومة صنعاء، والتي سارعت إلى تفعيل المعادلة الحاسمة القائمة على التصعيد بالتصعيد والحصار بالحصار.

اليوم، وبعد انقضاء مئة يوم دموية وثقيلة، تبدو لوحة الصراع محملة بالكثير من التحولات والدلالات. تُظهر الأرقام الرسمية الصادرة عن القوات المسلحة اليمنية في صنعاء حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها هذا التصعيد، حيث سقط أكثر من 562 شهيداً وجريحاً من المدنيين، معظمهم نساء وأطفال، جراء الغارات والاعتداءات التي تركزت في محافظات عدة على رأسها تعز وصعدة والجوف وحجة، والتي تجاوزت 2900 غارة جوية.

ورغم محاولات تكثيف استهداف البنى التحتية، وإمعان الرياض في تشديد القيود على مقومات الحياة، بما في ذلك استمرار إغلاق مطار صنعاء الدولي وخنق القطاع الصحي والدوائي -حيث خرجت مئات الأصناف الدوائية وتضررت آلاف حالات الأمراض المزمنة والأورام- إلا أن النتائج السياسية والعسكرية جاءت عكس ما تمناه صانع القرار في الرياض تماماً. لقد سقطت الرهانات السعودية كافة، فلم تحصد الرياض سوى المزيد من السخط الشعبي اليمني، وتماسك غير مسبوق للجبهة الداخلية التي توحدت خلف قرار القيادة في صنعاء لرد الصاع صاعين.

على صعيد الأهداف المعلنة أو المضمرة، خرج العدوان السعودي خلال الأيام المئة بخفي حنين مسجلاً فشلاً استراتيجياً ذريعاً. فلم تفلح لغة القصف والغارات في ثني القيادة اليمنية عن مواصلة موقفها المبدئي المساند لقضايا الأمة والرافض للهيمنة، بل زادتها صلابة وتمسكاً بسيادة القرار. وعلى المستوى الميداني، ظهر عجز تام تمثل في عدم قدرة التحشيدات العسكرية الموالية للرياض على تحقيق أي اختراق استراتيجي يذكر على الأرض، لتغدو تلك القوات مجرد أهداف مكشوفة ومحترقة أمام ضربات القوات المسلحة اليمنية، يضاف إلى ذلك فقدان كل أوراق الضغط نتيجة الرد اليمني الذي أدى إلى فرض معادلات مقابلة تجرد الرياض من ميزة التحكم المنفرد بسير المعركة أو فرض إيقاعها الخاص.

في مقابل هذا التصعيد، وجد النظام السعودي نفسه متورطاً في مستنقع تكبد فيه خسائر فادحة طالت هيبته وأمنه القومي واقتصاديات رؤيته المستقبلية. لقد أثبتت الضربات المتبادلة والجاهزية العالية لصنعاء أن العمق السعودي ومقدراته الحيوية باتت عرضة لردود قاسية وموجعة، مما أسقط الأسطورة عن منظومات الدفاع الغربية باهظة الثمن.

وأدى هذا التصعيد إلى نزف مالى واقتصادي للمملكة في وقت يسعى فيه النظام لترويج مشاريعه الكبرى مثل رؤية 2030 التي تحتاج إلى استقرار تام، غير أن عودة طبول الحرب تهدد بتلويث البيئة الاستثمارية وتكبيد خزينة الرياض أعباء مالية هائلة جراء استنفار الدفاعات وتحشيد المرتزقة. وعلى صعيد آخر، تجد الرياض نفسها في مأزق سياسي تبدو فيه عاجزة عن التقدم وعاجزة عن الانسحاب بماء الوجه، محاصرة بين رغبة غربية في إبقاء الجبهات ملتهبة وبين واقع يمني لا يرحم المعتدين ولا يقبل بأنصاف الحلول.

إن تكريس معادلة التصعيد بالتصعيد وضع المملكة أمام مفترق طرق كارثي. فالمضي في سياسة الحصار والعدوان لم يعد نزهة سياسية يمكن تطويق تداعياتها، بل أصبح انتحار استراتيجي يفتح باب الجحيم على الاقتصاد والبنية التحتية السعودية. لقد أدركت صنعاء أن لغة الضعف لا تفهمها قوى الاستكبار، فوضعت قواعد اشتباك جديدة عنوانها الأمن بالأمن والحصار بالحصار والتصعيد بما يفوقه.

وعلى النظام السعودي، إن كان يملك بقايا من قراءة الواقع بعقلانية، أن يدرك أن المئة يوم المنصرمة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن اليمن ليس هو اليمن الذي يمكن تجاوزه، وأن استمرار العبث باستقرار المنطقة لن يرتد إلا نحو مزيد من التداعي لسلطة الرياض وهيبتها المتهالكة. فبين ميدان لا يرحم ومستقبل تآكلت ضماناته، تقف السعودية اليوم أمام حقيقة واحدة تتمثل في أن زمن الإملاءات ولى بلا رجعة، وفات أوان العودة إلى الوراء.
تمت طباعة الخبر في: السبت, 24-أكتوبر-2026 الساعة: 05:03 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-110658.htm