صنعاء نيوز - ما غابت ولن يَتَأَتَّى لها ذلك إذ في ذاكرة إنسان أحبَّها سَكَنَت ، وَصَلَها تائِهاً فاحتضنته مُعَزَّزاً وما احتاجَ ليعيش له وَفَّرَت ، لم تطالبه

الأربعاء, 28-أكتوبر-2026
صنعاء نيوز/ مصطفى منيع -


تطوان : مصطفى منيغ

ما غابت ولن يَتَأَتَّى لها ذلك إذ في ذاكرة إنسان أحبَّها سَكَنَت ، وَصَلَها تائِهاً فاحتضنته مُعَزَّزاً وما احتاجَ ليعيش له وَفَّرَت ، لم تطالبه عَمَّن كان ولِما اختارها بالذات ، وِجْهَةً وعن حقها في ذلك سَكَتَت ، لتُقنعه مِن أوَّل وهلةٍ أنَّ الحضارة الإنسانية في تلك اللحظة لعقلِه لَفَّت ، ليُقارِنَ بين المَتروك خلفه وما يلمسه من ربوع لِمَقدَمِه غَنَّت ، وهو الفتَى الفقير لآهات ألامه سَمِعَت ، فأعَدَّت له الحرية دواء يروي ظمأه إن شَرِبه بمسؤولية على شفائه أعانت ، بحال جَيْبَيْهِ وما يعتريهما مِن سلبية خَواء اطَّلعَت ، فما ضَرَّها ذلك أو لتعاملاتها المادية انزعَجَت ، حيث البداية إرادة يقودها الصِّفْر لتضحياتها قبِلت ، فاليوم للغدِ كما الأخير لبَعْدِه وبين الأول والى ما شاء قَدَر لأشياء بسُنَّةِ حِكمَتِه أحوالها تغيَّرت ، ولها في ذلك كمدينة عريقة الريادة إذ لمتطلبات الحياة الشريفة مِن عهود تفهَّمت ، لتجعلَ مِن كل وافدٍ عليها تلميذاً في مدرسة بيئتها التي بالجدية والاستقامة لدروسها العملية بَرْمَجَت ، لتكونَ قُدوَة للمتوفرين على أخلاق مَحَبَّةِ الغير بضمائر حيَّة بطِيبِ المقال وتوقير ما اعتبرته جديد مجال عَمَّرَت .

... إنها العزيزة "بروكسيل" عاصمة المملكة البلجيكية ومنارة كبريات مدن أوربا العجوز كما شاءت وقررت فنفذت ، عبر أزمنة تباين وجود الدول بمساحة نفوذ أصحابها بقوة السيطرة على جغرافية الجوار ، وما تزخر به بعضها كنوزا ثمينة ملأ بها التاريخ الإنساني صفحات كتب استوجبت تكثيف الحوار ، لتجعل مدينة "بروكسيل" في التشبث بقيم العيش المطمَئِنِّ اعتمادا على نبوغ قاطنيها منذ عصور ، تغلبت على دياجير ظلم الظلام بما وفرته بعرق واجتهاد خرافي تلك الأصناف من أنوار ، تضيف للإضاءة الدفء الدافع على تحصين الديار ، من صقيع حسد الباحثين عن قلب معادلة البناء لمصائب دمار ، فكانت "بروكسيل" في جل المعارك تؤخر جهدها عن ذكاء اختيار ، لتحقيق أوسع وأعظم انتصار .

... وصلتُ اليها بعد عناء طُولِ سفر ، كشاب لكل عالمه الصغير عن ضغط يطول شرحه هجر ، بين يديه من المال القليل وللتعريف بانتسابه وجنسيته ما يسمونه بجواز السفر، لا حقائب لباس ولا ما يغير به ما يبدو عليه من منظر ، مغربي الأصل عربي السمات إقريقي القارة متحرر الأفكار ، يسوقه التفاؤل لمعاشرة مجتمع الأخيار ، التاركين الانزواء والخمول وثرثرة ضياع الوقت حتى تنسل منهم حلاوة الأعمار ، فيجدون أنفسهم ضيوفا على الندم المحتضن مَن ساء lkهم الانتظار عسى أي حلٍ يشفق عليهم ولا يخزيهم هو الآخر .

مذ وطئت قدماي أرضية محطة "ميدي" بعد نزولي من ذاك القطار ، شملني الإعجاب والاطمئنان وكل محاسن الانبهار ، بضخامة المكان وانضباط الحركة صوب أي منفذ في تناسق مع احترام التوقيت كعامل مفقود فيما تركتها ورائي من ديار ، أخَّرَها البطء وزادها خلو حقوق الانسان من أي وقار ، ليرافق الحظ مَن خدم بإخلاص حتى بعد الاستقلال ما بقيت من عناصر ركزها هناك قبل رحيله الاستعمار ، لتكون بمثابة سفراء مساعدة وتعاون حتى تقوم الدولة على رجليها في المظهر ، وعملاء لا يفوتون صغيرة أو كبيرة تخص مصالح دولتيهم فرنسا واسبانيا إلا ومكروا لاجتثاث المُضِرِّ لهما في الجوهر .

...الذكرى تلاحقني وارتاح لاسترجاعها ما دامت مرتبطة بأحلى أيام عمري على الإطلاق ، فيها وجدث القيمة الحقيقية لوجودي كانسان فوق أرض مشيَّدة بعض من معالمها العمرانية , بعبقرية مهندس فنان ، سابق بما ابتكر من تركيب حجر جنب أو فوق بعضها البعض ما سبق بها ذاك الأوان ، لتكون جواهر من جماد ناطق بلغة صمت يلج حواس كل عاشق للجمال ، مبصر عن بعد أو قرب سر لب عمل يعانق الدهر إلى يوم ينتهي فيه كل ميعاد البقاء بعده للخالق الأوحد ، ولولا تلك الرموز المهيكلة الدالة على عقلية بلجيكية أوجدت فن الارتقاء مع الأجيال المتعاقبة لوضعية الشهادة المتجددة مدحاً لمبتكراتها مهما كان المجال بداية البدايات لما يتلألأ تطوراً حميداً وتقدماً محموداً لصالح الإنسانية جمعاء ، لولا تلك المعالم الرموز لما استيقظت ذاكرة كل مهاجر لتلك الربوع وتشبثه بترجمة ما رأي وسمع لغة تحكي روائع يتجنبها النسيان لقوة حضورها نِعَم مناظر ورِفعَة مظاهر . وما الذكرى غير سِحرٌ لن يقدرَ على مسحه أو استنساخه أمهر السَّحَرة ، ولو استعان بأعقدِ طلاسمِ تسْخير الجن وكل تمائم المفعول اللاَّمعقول ما قَدَّمَ في مثل الشأن أو أَخَّر ، التصَقًت في تلاحمٍ لا يزيغ مهما تقدَّم الزمن بالذاكرة ، خزان لا حصر لحمولته تُحْسَبُ يوم الحساب لولوج أصحاب الحسنات الرابحة معها جنَّة الخلود أو انجرار ذوي كذوات السيئات فيها حيث القعر الجهنّمي المشتعل على الدوام بأسماء القوائم الخاسرة . قد يكون للذِّكري مقَرٌ سِري معروف بغير عنوان لذاكرة مسؤولة حالما يتمُّ إفتحاص ما مرَّ من حياة صاحبها على الأرض حينما يُغادر للآخرة ، سعيد بما أنجز لصالح نفسه أولاَ ولمن حَوْله ثانياَ ولعقيدته الأساس القاطنة فؤاده أو علي لسانه بنطق الحق ظاهرة ، ذات الأصول المقدَّسة الطيِّبة بشذى الإيمان بالغيب مُعَطَّرة ، أو شَقِيٌّ بما اقترفَ مِن معاصي ولشتى المؤامرات المتنوعة الأضرار دبَّر ، أو داخل مؤتمرات لحقائق وَهْمِيَّة زوَّر ، بتشارك وطيدٍ مع أبالسة جلسات مجون في كل ليلة حمراء للفجر مع الفجور سَهَر، حيث الراقصات بحيائهن الفارز عَرَقَ الاختناق من تصرفات مُنكرة ، يخفين دموع الألم عن ظروف حوَّلتهن لبائعات هوَى جَلباً لقوت مَن ينتظرهن في أكواخ الظُّلْمِ بين حارات أقرب للمطارِح شكلاً ومضموناً وما خفي يكون العن ممَّا ظَهَرَ في عديد بلادِ لا تحترم حقوق مواطنيها كأحقر ظاهِرة.

الذكرى لا شأن لها بغض الطرف متَى الوقت بها ابتعد أو سَدَّ حيالها باب اللحظات المُسَخٍّر النسيان ولو لتأجيل ما يعقبها مِن ندم وحسرة ، هي للماضي - الحاضر سِجِلٌ لا يشيخ ولا يقبل تنحية أي جزء من شريطِ معاوَدَةِ الأحداث بتطابقٍ تامٍ كاملٍ كما حدث لا تنقصه حبة رمل الْتَقَطَتْها فيما التقطت العين ساعتها أدقَّ صورة .

... أحببتُ بلجيكا المملكة الأوربية الأقرب للمهاجرين الوافدين عليها (وكنتُ مِن الرواد الأوائل أحدهم) بنبل سماحتها ونظافة مساحتها واحتضانها الغرباء مهما كان جنسهم ومستوى تكوينهم وأصول عقيدتهم لتضرب المثل القويم عن دولةٍ بالفعل وليس بالقول فقط متطوِّرة ، تجمع ومن إلحاق الفضلاء بما يناسبهم لا تشبع عن ذكاء يرَى الإنسان كومَة أحاسيس المُعاشر إيَّاها بإحسان لعميد أسرة منتجة للخير كَوَّنَ لتضاف للبرَرَة ، قوانينها بارزة لحجمها الحضاري المحافظة على الموروث الثقافي الخاص المساهمة به في ابتكار ما إن رآه الغير أو سمع عنه أو شمَّ رائحته ألزَمَ نفسه باحترام عظمة بلجيكا شعباً ووطناً مفتخراً بها بين الأمصار أكانَ مُقيماً بين أحضانها أو عنها يغادر جسداً ولا عضوا مسؤولا من أعضاء جسده تتقدمهم الذاكرة يكون قد غادر . ما أتيتُ إليها بحثا عن عمل إذ كنتُ أحد الموظفين في بلدي المغرب ولكن لأتعلم أن يكون الإنسان مجرَّد إنسان مجرّباً ملذات الحياة الشرعية بنظام وانتظام مواكباً الحاصلين على أُسلوب ابتكار الأجدر والأنفع والأسهل لمواجهة هدوء مفعم براحة الضمير قبل البال طاردا من أمامي كلّ حَيْرَة ، فاستقبلني جوّها بما أحاط ويحيط به الترحاب ممهداً حيالي عناصر البقاء كما أريد لأفعلَ في نطاق القانون المحلي ما أختار ولي على تَحَمُّل مسؤولياته العزيمة والقدرة ، وكم كنتُ محظوظا حينما اصطدمت عيناي بعيني تلك الفتاة خلال نقس الأثناء المؤسسة لاستقراري في هذه الديار الموقرة ، فخلتُ مستقبِلاً ابتسامتها الحلوة أن شمس التغيير لاجتاز مرحلة الوحدة المملَّة الضاربة في الأعماق لترسيخ قنوط لا يُرى بل يُلمَسٌ ذهنياً كزعيم لكل ضرر ، قد لاحت تُبْقِي على الربيع الإنساني ما يعشق عشاقه من خُضْرة . (يتبع)

مصطفى منيغ

Mustapha Mounirh

سفير السلام العالمي

مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا

[email protected]


تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 28-أكتوبر-2026 الساعة: 05:43 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-110718.htm