صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل - إيهاب مقبل
في السنوات الأخيرة، بدأت مظاهر الاحتفال بالهالوين تنتشر بصورة متزايدة في عدد من الدول العربية، من خلال الحفلات والأزياء التنكرية والأقنعة المخيفة وتزيين المحال التجارية والمطاعم والمراكز التجارية، حتى أصبحت المناسبة حاضرة في بعض المدارس والفعاليات العامة ووسائل التواصل الاجتماعي.
وهنا يبرز سؤال يستحق التوقف عنده، لماذا نسارع إلى تقليد مناسبات وافدة لا تنتمي إلى تاريخنا ولا إلى تراثنا، بينما لا نمنح عاداتنا ومناسباتنا المحلية الاهتمام نفسه؟ ولماذا تبدو بعض المؤسسات التجارية والإعلامية أكثر حماسة للترويج لهذه الاحتفالات من حماستها لإحياء ثقافتنا وتراثنا؟
إن القضية لا تتعلق بمجرد أزياء أو زينة أو حفلات عابرة، بل تتعلق بمسألة أعمق، وهي تراجع الاهتمام بالهوية الثقافية العربية والإسلامية، وفتح المجال أمام عادات مستوردة لتحل تدريجيًا محل ما ورثناه من أهلنا وأجدادنا.
السويد وعيد جميع القديسين
من المفيد النظر إلى التجربة السويدية، حيث يتزامن موسم الهالوين مع عيد جميع القديسين، المعروف باسم Alla helgons dag. وهو تقليد مسيحي قديم يحييه السويديون بزيارة المقابر وإضاءة الشموع ووضع الزهور على قبور أحبائهم واستذكار الراحلين، في أجواء يغلب عليها الهدوء والاحترام.
ورغم انتشار مظاهر الهالوين في السويد، بقي عيد جميع القديسين حاضرًا في المجتمع السويدي، وتواصلت تقاليده في الفترة نفسها من العام. وقد انتقد بعض السويديين انتشار الهالوين باعتباره تقليدًا وافدًا ذا طابع تجاري أمريكي، ورأوا أهمية المحافظة على المناسبات المحلية وعدم السماح للمظاهر المستوردة بأن تطغى عليها.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل، فبينما يواصل السويديون إحياء تقاليدهم ومناسباتهم، نجد في بعض مجتمعاتنا العربية من يسارع إلى تبني احتفالات لا تنتمي إلى تاريخنا، وكأن ثقافتنا لا تملك ما يكفي من المناسبات الجميلة التي تستحق الاهتمام والإحياء.
ماكس برغر ومنافسة العلامات العالمية
هناك مثال آخر من السويد يستحق التأمل، وهو سلسلة مطاعم MAX Burgers التي تأسست عام 1968، وأصبحت علامة سويدية معروفة تنافس شركات عالمية مثل ماكدونالدز.
لم تؤسس الشركة بهدف معلن لمحاربة ماكدونالدز، لكنها نجحت في تقديم منتج محلي بديل وبناء علامة تجارية سويدية قادرة على المنافسة. وهذا يوضح أهمية دعم المشاريع الوطنية والمنتجات المحلية، وعدم الاعتقاد بأن كل ما يأتي من الخارج أفضل أو أكثر قيمة.
فلماذا لا نشجع مطاعمنا ومنتجاتنا ومشاريعنا المحلية، ونمنحها فرصة الانتشار والمنافسة؟ ولماذا لا تكون لدينا علامات تجارية عربية قوية تعكس هويتنا وتستند إلى تراثنا وإمكاناتنا، بدل أن نكتفي بتقليد المنتجات والعادات الوافدة؟
إن الاعتزاز بالهوية لا يعني رفض التطور، بل يعني أن نكون قادرين على إنتاج ما يمثلنا، وأن ننافس الآخرين دون أن نفقد خصوصيتنا.
الهالوين ليس مجرد أزياء واحتفالات، بل مشكلات أمنية واجتماعية
لا تقتصر المسألة على اختلاف العادات والتقاليد، فبعض الممارسات المصاحبة للاحتفال بالهالوين قد تتحول إلى مشكلات أمنية واجتماعية خطيرة. فقد نشرت الصحافة السويدية في 31 أكتوبر تشرين الأول 2026 تقارير عن حوادث شهدتها ليلة الهالوين في مناطق مختلفة من السويد، بينها شجار في منطقة ستادشاغن بالعاصمة ستوكهولم أسفر عن إصابة شخصين بسلاح أبيض، أحدهما بصورة خطيرة، فضلًا عن شجارات واعتداءات أخرى، وحوادث باشرت الشرطة التحقيق فيها للاشتباه بوقوع محاولات قتل. وأشارت الشرطة إلى أن ارتفاع نسبة تناول الكحول كان عاملًا مشتركًا في كثير من تلك الحوادث.
وفي تحذير آخر نشرته الصحافة السويدية قبل ليلة الهالوين، نبهت الشرطة إلى أن ما يراه بعض الشباب مجرد مزاح أو دعابة قد يتحول إلى جريمة يعاقب عليها القانون. فإلقاء الأشياء على المنازل أو تخويف المارة أو توجيه أسلحة مزيفة نحو الآخرين قد يؤدي إلى تقديم بلاغات وفتح تحقيقات وملاحقات قانونية، بحسب طبيعة التصرف وخطورته.
وعندما تطلق الشرطة السويدية تحذيراتها، وتسلط وسائل الإعلام السويدية الضوء على هذه الحوادث والمخاطر، فإن ذلك يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع بضرورة الحذر من السلوكيات المرتبطة بهذه الليلة، وعدم التساهل معها أو تشجيع الممارسات التي قد تتحول إلى تهديد للآخرين أو مخالفة للقانون. وهي رسالة تستحق أن نتوقف عندها في مجتمعاتنا العربية قبل أن نندفع إلى تقليد احتفالات لا تنتمي إلى ثقافتنا ولا إلى تقاليدنا.
هذه الوقائع لا تعني أن كل من يشارك في مناسبة الهالوين يرتكب مخالفة، لكنها تسلط الضوء على بعض السلوكيات التي قد ترافقها، والتي تتجاوز حدود المزاح لتتحول إلى اعتداء أو تهديد أو إخلال بالأمن. ومن هنا يبرز السؤال، ما الذي يدفع مجتمعاتنا إلى استيراد احتفالات لا تنتمي إلى تاريخها وتراثها، ولا تحمل لها قيمة ثقافية أو اجتماعية تستحق التمسك بها؟
أين مناسباتنا وثقافتنا العربية؟
تمتلك المجتمعات العربية رصيدًا واسعًا من العادات والتقاليد والمناسبات الشعبية التي تعكس تاريخها وتنوعها، من الأعياد الدينية إلى المواسم التراثية والأسواق الشعبية والفنون والحرف والأكلات والأزياء التقليدية. وهذه الموروثات ليست مجرد ذكريات من الماضي، بل عناصر حية قادرة على بناء شعور بالانتماء وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ مجتمعاتها.
لكن المشكلة أن كثيرًا من هذه المظاهر لا تحظى بالترويج والاهتمام اللذين تحظى بهما المناسبات الوافدة. فبدل أن تتسابق المؤسسات التجارية والمدارس ووسائل الإعلام إلى إحياء تراثنا وتعريف الأطفال به، نراها أحيانًا تفتح أبوابها للاحتفال بمناسبات مستوردة، وكأنها أكثر جاذبية أو حداثة من ثقافتنا.
إن مسؤولية الحفاظ على الهوية لا تقع على الأفراد وحدهم، بل تشمل الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والقطاع التجاري. فهذه الجهات قادرة على جعل تراثنا حاضرًا في حياة الناس، لا مجرد مادة موسمية نتذكرها في المناسبات الرسمية.
حماية الهوية تبدأ من رفض التقليد الأعمى
ليس المطلوب أن ننغلق على العالم أو نرفض الشعوب وثقافاتها، بل أن نمتلك الوعي الذي يجعلنا نميز بين ما يناسب مجتمعاتنا وما لا يناسبها. فاحترام ثقافات الآخرين لا يعني تبني احتفالاتهم، والانفتاح لا يعني التخلي عن عاداتنا ومعتقداتنا وتقاليدنا.
إن الاحتفال بالهالوين والترويج له في مجتمعاتنا العربية ليس ضرورة ولا دليلًا على التطور، كما أن رفضه لا يعني العداء للآخرين. إنه موقف من تقليد لا نحتاج إليه، في وقت نحتاج فيه أكثر من أي وقت مضى إلى الاعتزاز بهويتنا وإحياء تراثنا.
ويبقى السؤال الأهم، ماذا نريد أن نورث أبناءنا؟ ثقافة نابعة من تاريخهم وانتمائهم، أم مناسبات مستوردة يستهلكون مظاهرها دون أن يعرفوا جذورها؟ إن الحفاظ على الهوية يبدأ من قرارات صغيرة، ومن بينها أن نعرف ما نحتفل به، ولماذا نحتفل به، وأن نمنح ثقافتنا المكانة التي تستحقها.
انتهى |