صنعاء نيوز/ مرام هواري -
يقال” اذا صلح القائد فمن سيجرؤ على الفساد “… عبارة تحضر هنا، تُظهِر للوهلة الأولى أن للفساد تسلسل هرمي يبدأ من القمة برموز لا تمس وذوات لا تُسأل، باتت هي القاعدة لا الإستثناء، في ظل فساد أنظمة وحكومات وصل الى حد باتت النزاهة فيها ملفتة للنظر، وكأن ما يحدث من فساد ليس بظاهرة عابرة، إنما هو نهج وأسلوب حياة يعبِّر تماماً عن اتجاه الأنظمة العربية، ينسحب عليها دون استثناء..
ففي ظل التحديات والخضّات التي يشهدها الواقع العربي الرازح تحت جبال من الأزمات، بات محاصراً اليوم بآفة نخرت الاقتصاد وعصب المؤسسات المترنحة اصلاً تحت ثقل مشاكل هيكلية، فكان الفساد الحدث الأبرز الذي خيّم عليها، بل وأشدها وطأة عليه يستنشقه كما الهواء، مثقلاً كاهله الهزيل بتكلفته الباهظة التي لم يعد بالإمكان إغفالها او التغافل عنها بسبب ما احدثه من تشوهات دفعت بعجلة التنمية الى الوراء لسنوات.
فناقوس الخطر الذي دقته الدول يوماً بسبب الوباء والإرهاب أو تغير المناخ، جاء الفساد ليحطم الرقم القياسي فيها، ليكون هو الأكثر إذكاءً وأحد العناوين الكبرى لحراك الشعوب التي وصلت الى الشارع عبر الثورات العربية، في الوقت الذي اجتمعت كافة الشعوب التي ضاقت ذرعاً من الاستبداد والتهميش والبؤس والحرمان، فبدا بينها قاسم مشترك على اختلاف مشاربهم وفئاتهم وتوزيعهم الجغرافي على اتهام انظمتها وحكوماتها بالإلتفاف حول عنقها بنهبها وابتلاعها لخيرات البلاد وثرواتها ، حتى بات جيب المواطن المسحوق هو المورد الوحيد لخزينة الدوله، في الوقت الذي غابت عنهم مؤسسات الرقابة والمحاسبة التي تم تقليم أظافرها وشل عملها، ففسحت المجال للتلاعب بالقوانين وتطويعها لصالح المنتفعين من أصحاب السلطة والمال التي بدورها تحصنت داخل المنظومة القانونية، وفي صياغاته الغير محدده و الملتبسة احياناً، لتختبئ خلفه ايضا ًوتتغلف فيه من هي خارج اطار السلطة وتلك التي تقف كهمزة وصل الى جانبها، فجعلت من السلطات الثلاث مجرد واجهة تخفي خلفها شبح الدولة العميقة التي هي بالأساس من يتحكم بمفاصل الدولة من الالف الى الياء….
فـسجِل الانظمة العربية الفقير في مجال حقوق الانسان والحافل بالفساد، ما هو إلا مثالاً صارخاً وصادماً على الاستبداد السياسي الذي طبع مسار نظام حكمها، من خلال مبدئها القائم على ” الحكم للأبد او نحرق البلد” والذي يبشر باختفاء الديمقراطية التي أقل ما فيها تداول السلطة والتعددية والصوت الحر، والتي من خلالها لجأت النخب الحاكمة الى توظيف سلطتها واحكام قبضتها الامنية على الحكم للسيطرة على الموارد الاساسية وعصب الاقتصاد لغايات خاصة ومنفعة شخصية، والذي كان من شأنه ان يهدد بإطالة مكوثنا في مستنقع الفاقة والاحتياج في بلاد الثروات والخيرات، فباتت الشعوب اليوم تغص بجيوش من العاطلين عن العمل، و اصبح الطابور جزءاً من حياة الناس اليومية، بينما إنهارت في بعض الدول الرازحة تحت الحروب والازمات الخدمات العامة من صحة وتعليم وماء وكهرباء، فيما تستأثر الطبقة الحاكمة ومن يدور بفلكها بالثروة والمنافع والاثراء على حساب عامة الشعب، فيكفي ان تذكر اسم الفاسد بعينه او تطرح عليه سؤالاً من اين لك هذا ..؟؟ فذاك قد يكون كافياً لانهاء مسيرة حياتك او لذهابك وراء الشمس لسنوات، وكأنما تم منحها شيكاً مفتوحاً على بياض كي تعامل شعوبها كيفما تشاء، ليتعزز على اثرها الفساد والمحسوبية وشراء الولاء بالرشوة والمال.
فلا عجب انك تسمع عن ملايين وربما المليارات من الدولارات دخلت البلاد وتبخرت كما الماء، لا تدري كيف و بماذا واين انفقت، لتتبخر معها حلم الشعوب بالرفاه، والذي كان وما زال السبب الرئيس لهجرة العقول والادمغة، بعدما تحولت دولهم الى بيئه طاردة لابنائها، وكيف لا وهل من المنطق والعدل ان يتقاضى رئيس وزراء دولة ما راتباً شهرياً يقدر بسبعمائة الف دولار في حين لا يتجاوز راتب الآلا ف من الموظفين الأكفاء الخمسمائة دولار ..؟
فلعل كلمة فساد هنا قد لا تعبر بصدق حول ما يجري حولنا من نهب وسرقة موصوفة للمال العام، خصوصاً في حال كان الوزراء والنواب والموظفين في القطاع العام يتولون مناصب تتمتع بحصانة وانعدام المسائلة والافلات من العقاب، والغريب في الأمر والمفارقة فيه ان من يطالب ويلح بضرورة مكافحة الفساد يأتي ممن هم على رأس المتورطين فيه …!
فعلى قاعدة “اسكت عني لأسكت عنك ” قد لا يملك صانع القرار الإرادة السياسية لمحاربة الفساد، فمن الصعوبة بمكان والعجز ربما ان يفتح احدهم ملفاً للآخر لسبب بسيط هو ان هذا الآخر بقادر على فتح ملف الأول وابتزازه به، وكيف لك ان تطلب من الفاسد ان يكافح نفسه او ان يعاقب الآخرين وهو المتهم الاول والاخير فيه ..
فلعل من الصعوبة ايضاً ان يتم حصر الفساد فيمن يمارسه فقط ، فليس من الغريب ربما ان نكون نحن من حيث لا ندري شركاءً فيه، بحمايتنا للفاسد ومنحه للحصانة الشعبية المطلقة بعيداً عن اية مسائلة، ونجعل منه شخصاً منزّهاً وفوق كل اعتبار، فالانتماءات الطائفية و الفصائلية والحزبية العمياء لطالما شكلت طوق نجاه للفاسد ورموزه، فكانت من أكثر ما ساهم في تغذية الفساد وتعميقه واطالة عمره، ففي حال تجرأت على اتهام شخص من رموز هؤلاء بسرقة المال العام او في حال قدمت دعوى ضد مسؤول أثرى إثراءاً فاحشاً غير معروف مصدره، تتحول المسألة تلقائياً الى قضية حزبية وطائفية وفصائلية وليس بمستبعد ان تقوم بسببها حروب اهلية بين من يؤيدون ومن يعارضون وكأنك بذلك اتهمت الطائفة والفصيل بأكمله بالفساد، ذلك ان كل مواطن يعتبر زعيمه السياسي هو النزيه وما سواه فاسدون..
فالمصيبة الأكبر تكمن في ان خلف كل قضية فساد تقف أيادٍ خفية تغلفها وتحميها، فتلك القضايا ما كانت لتمر لولا فتح الأبواب وتعبيد الطريق لها ” فحيثما يكون مجرى آسن يكون هناك جرذ يرتع فيه “.
فالسؤال الذي استحق اليوم وبات مشروعاً ..هل ربيعاً واحداً كان يكفي الشعوب العربية والاسباب التي أدت للربيع السابق لم تجني ثمارها بعد ..؟ حتى تم تصنيفهم ووضعهم في خانة الدول الأكثر فساداً في العالم بل وفي المرتبات الأولى فيه وفق تقارير هيئات ومنظمات الشفافية الدولية، والذي بدوره كان سبباً كافياً ايضاً لجعلهم من ضمن الدول الأكثر مديونية في العالم وفقا لإحصاءات البنك المركزي وصندوق النقد الدولي …
فقد لا يقتصر الفساد على السرقة والرشوة والمسؤول الفاسد والحاكم الفاسد فقط، ذلك ان سوء ادارة اقتصاد الدولة كخصخصة مؤسساتها لهي من أكبر المؤشرات الدالة عليه، والتي بدورها تثير شهية الكتل البيروقراطيه التي تسعى دوماً الى الربح السريع، خصوصاً في حال لجأت الدولة الى بيع امور سيادية والتي يصبح على اثرها املاك الشعوب املاك افراداً بعينهم، وإيتاحها أمام الأجندات الاجنبية الخارجية و رهنها لها، ناهيك عن فساد الديون والقروض ونهبها التي تذهب على الأغلب لجيوب المسؤولين، باتت اليوم هاجس الشعوب ومنها يتحسبون.
فلربما تسمع عن عمليات محاسبة هنا وهناك، ولكننا نكتشف لاحقاً انها خطوات شكلية قد تكون أحياناً من باب الدعاية الانتخابية والترويج السياسي، فاستحداث وزارات لمكافحة الفساد قد تبدو خطوة صحيحة او من المفترض ان تكون كذلك، الا انها في حقيقة الأمر قد لا تبدو للكثيرين كافية خصوصاً اننا لم نسمع عنها انها حركت ساكناً ،فلجم الفساد والقضاء عليه لا يكون بالعقوبات او بالمسكنات، وانما بالتحصين وبالبتر لمنع حدوثه وانتشاره من جديد فقاعدة “لا احد فوق القانون ” لربما لا ولن تتحقق على ارض الواقع الا في حال كان هناك قضاء مستقل حيادي ونزيه، يجعل كل من في الدولة سواسية فيه لا فرق عنده بين حاكم ومحكوم وبرلمانات حقيقيه وليست بصورية وذلك لسد الثغرات امام صائدي الفرص من التسلل منها واليها، ” فالفساد حتماً سيطول عمره في حال انسحب الشرفاء من الميادين”…
كاتبة فلسطينية
Print Friendly, PDF & Email |